المقاتلون الروس بسوريا.. يذهبون سرا ويعودون في التوابيت و “أجنحة الشام” متورطة

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

في ركن منزو بصالة المغادرة بمطار روستوف جنوب روسيا وأمام أربعة مكاتب لفحص أوراق السفر، اصطف نحو 130 شخصا يحمل كثير منهم حقائب شبيهة بتلك التي يصطحبها الجنود معهم.

وعندما سأل أحد مراسلي رويترز هؤلاء عن وجهتهم، قال أحدهم “وقعنا على ورقة، لا يُسمح لنا بالحديث. في أي لحظة سيأتي المدير ونواجه مشكلة”. وأضاف محذرا “وأنت أيضا”.

وفي نفس المطار، رصدت الكاميرا طائرة إيرباص أي 320 تنتظر على مدرج المطار، وقد هبطت للتو قادمة من العاصمة السورية دمشق، ونزل منها نحو 30 شخصا في منطقة الوصول المهجورة إلى حد بعيد.

وكشف تحقيق لرويترز حول شبكات الدعم اللوجستي لقوات الحكومة السورية أن هؤلاء الأشخاص متعاقدون عسكريون روس، وهم أحدث مجموعة يتم نقلهم ضمن رحلات جوية سرية باستخدام طائرات مدنية لنقل الدعم العسكري للرئيس السوري بشار الأسد في حربه المستمرة منذ سبع سنوات ضد مسلحي المعارضة.

والرحلات الجوية من وإلى روستوف لم توثقها أي منظمة من قبل، ويجري تشغيلها من قبل “أجنحة الشام وهي شركة طيران سورية فرضت عليها عقوبات أميركية عام 2016 بزعم أنها تنقل مقاتلين موالين للأسد إلى سوريا وتساعد مخابراته العسكرية على نقل أسلحة ومعدات.

وتقلع هذه الطائرات من دمشق أو من مدينة اللاذقية -التي تضم قاعدة عسكرية روسية- وغالبا ما تهبط في ساعات متأخرة من الليل، ولا تظهر في جداول الرحلات الجوية بالمطارات.

وتكشف العملية ثغرات نظام العقوبات الأميركية الذي يستهدف حرمان الأسد وحلفاءه في الحرس الثوري الإيراني وجماعة حزب الله اللبنانية من الرجال والعتاد الذي يحتاجونه لحملتهم العسكرية.

شركة أجنحة الشام استأجرت طائرات ميدانية لنقل المتعاقدين العسكريين الروس إلى سوريا (رويترز)

رحلات غامضة

ولا يرِد ذكر الرحلات إلى روستوف على الموقع الإلكتروني لشركة أجنحة الشام. لكنها تظهر في قواعد بيانات تتبع الرحلات على الإنترنت.

وراقب مراسلو رويترز مطار روستوف وسجلوا الرحلات غير العادية باستخدام بيانات تتبع الطيران المتاحة للجمهور، وبحثوا في سجلات ملكية الطائرات وأجروا عشرات المقابلات.

وقد تتبع المراسلون الرحلات الجوية بين مطار روستوف وسوريا من 5 يناير/كانون الثاني 2017 إلى 11 مارس/آذار 2018.

وخلال تلك الفترة، سيّرت شركة أجنحة الشام 51 رحلة ذهاب وعودة، مستخدمة في كل مرة طائرات إيرباص أي 320 التي يمكن أن تُقل ما يصل إلى 180 راكبا.

ويشتبه أصدقاء وأقارب المتعاقدين في أن موسكو تستخدم مقاتلين بشكل خاص في سوريا لأنها بهذه الطريقة تستطيع نشر مزيد من الأفراد على الأرض دون المخاطرة بأرواح الجنود النظاميين الذين يتعين رصد وإعلان وفياتهم.

وقالت السلطات الروسية إن 44 من جنودها قتلوا في سوريا منذ تدخل موسكو العسكري لدعم جانب نظام بشار الأسد في سبتمبر/أيلول 2015.

وتفيد قائمة رويترز -التي تستند إلى تقارير من عائلات وأصدقاء القتلى ومسؤولين محليين- بأن أربعين متعاقدا خاصا على الأقل قتلوا بين يناير/كانون الثاني وأغسطس آب/ 2017 فحسب.

مطار روستوف بجنوب روسيا مثّل النقطة الرئيسية لنقل المقاتلين لجبهات القتال بسوريا (رويترز)

سجلات وشركات

وفي السنوات الأخيرة، جرى تسجيل عشرات الطائرات في أوكرانيا ضمن شركتي “خورس، دارت” اللتين أسسهما قائد سابق بالبحرية السوفياتية واثنان من رفاقه العسكريين السابقين، وفقا لسجل الطائرات الوطني الأوكراني.

وأفادت بيانات تتبع الرحلات الجوية أن هذه الطائرات بيعت أو استؤجرت بعد ذلك، وانتهى بها الأمر للعمل في شركات طيران إيرانية وسورية.

وأفادت معلومات جمعتها رويترز أنه في السنوات السبع الماضية، تمكنت “خورس ودارت” من الحصول على 84 طائرة مستعملة من طراز إيرباص وبوينغ أو استئجارها عن طريق نقل الطائرات عبر كيانات لا تشملها العقوبات الأميركية.

وتفيد بيانات من ثلاثة مواقع تتتبع رحلات ومسارات الطيران أنه جرى استخدام ما لا يقل عن أربعين من هذه الطائرات في إيران وسوريا والعراق.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، أضافت وزارة الخزانة الأميركية شركتي “خورس ودارت” إلى القائمة السوداء للعقوبات، واتهمتهما بمساعدة شركات الطيران الواقعة تحت طائلة العقوبات على شراء الطائرات الأميركية الصنع.

ووفقا لسجل الطائرات الأيرلندي، فإن إحدى طائرات أجنحة الشام -وهي من طراز إيرباص أي 320 وقامت برحلة من روستوف إلى سوريا- مملوكة لـ “آي أل أف سي أيرلندا” المحدودة، وهي شركة تابعة لشركة “إيركاب” ومقرها دبلن.

وقال متحدث باسم هيئة الطيران الأيرلندية إن الطائرة حذفت من السجل الأيرلندي في يناير/كانون الثاني 2015، ولاحقا ظهرت في سجل الطائرات في أوكرانيا.

ويقول أربعة محامين يتخصصون في قواعد التصدير الأميركية إن الصفقات التي تشمل طائرات ينتهي بها الأمر في إيران أو سوريا تنطوي على مخاطر كبيرة للشركات الغربية التي تورد الطائرات أو المعدات.

وعندما أرسلت رويترز سلسلة من الأسئلة إلى شركتي “خورس ودارت” حول أنشطتهما، اتصل العسكري السابق بالبحرية الرائد تومتشاني بالمراسلة في غضون دقائق.

وقال تومتشاني إنه لم يعد مساهما في أي من الشركتين لكنه يعمل مستشارا لهما، وإن الأسئلة أحيلت إليه. ودعاها للقاء في اليوم التالي بمطعم فيلور الراقي في كييف.

وخلال اللقاء الذي استمر تسعين دقيقة، نفى تومتشاني تقديم طائرات إلى إيران أو سوريا. وقال إنه بدلا من ذلك، قدمت الشركتان الطائرات لأطراف أخرى قدمت بدورها الطائرات للمستخدمين النهائيين، ولكنه رفض تحديد هوية هذه الأطراف.

ووفقا لسجل الأعمال الأوكراني فإن 25% من شركة خورس يمتلكها شخص يدعى فلاديمير سوشكوف. وكان العنوان المذكور له في السجل هو رقم 33 شارع إليكتريكوف في كييف.

روسيا تشهد من حين لآخر مراسم تشييع ضباط وجنود قتلوا بجبهات القتال في سوريا (رويترز)

خيوط العناوين

وهذا هو نفس العنوان الوارد في وثائق المشتريات الحكومية الأوكرانية للوحدة العسكرية رقم (أي 0515) التي تقع تحت إشراف مديرية المخابرات الرئيسية بوزارة الدفاع.

وقال تومتشاني إنه وسوشكوف يعرفان بعضهما البعض منذ فترة طويلة. وأضاف “لم يكن متخصصا سيئا. هو شاب صغير لكنه ليس سيئا”. وقال إنه يعتقد أن سوشكوف يعيش في روسيا.

ولم تتمكن رويترز من الاتصال بسوشكوف. وكان رقم الهاتف المسجل باسمه خارج الخدمة. وقال رئيس وكالة المخابرات الأوكرانية بالإنابة أليكسي باكومينكو لرويترز إن سوشكوف لا يعمل هناك.

وفي 9 يناير/كانون الثاني الماضي، غيرت شركة “دارت” اسمها إلى آلانا، وأدرجت عنوانا ومؤسسين جددا، وفقا لسجل الأعمال الأوكراني. وفي الأول من مارس/آذار الماضي، أظهر السجل أن شركة جديدة هي “آلانا إير” سيطرت على أصول “آلانا” ومسؤولياتها.

ورغم أن موسكو تنفي إرسال متعاقدين عسكريين إلى سوريا، إلا أن الكثير من الناس يقولون إن ذلك غير صحيح.

ومن بين هؤلاء عشرات من الأصدقاء وزملاء سابقون للمقاتلين وأفراد مرتبطون بالشركة التي تجند الرجال، وهي منظمة غامضة تعرف باسم “فاغنر” لا تملك أي مكاتب ولا حتى لوحة نحاسية على أي باب.

وأفاد أشخاص أجريت معهم مقابلات أن مؤسس المنظمة يدعى ديمتري أوتكين، وهو ضابط سابق في المخابرات العسكرية. وكان أول دور قتالي للمنظمة في شرق أوكرانيا إلى جانب الانفصاليين الذين تدعمهم موسكو.

ولم تتمكن رويترز من الاتصال بأوتكين مباشرة. وقد رفضت رابطة قدامى المحاربين في النزاعات المحلية نقل رسالة إليه، قائلة إنه لا صلة لها بمجموعة فاغنر.

وقال زعيم محلي لمنظمة شبه عسكرية في روسيا يدعى يفجيني شاباييف إن موسكو لديها ما بين ألفين وثلاثة آلاف متعاقد يقاتلون في سوريا.

وفي معركة واحدة في فبراير/شباط الماضي، قتل أو جرح نحو ثلاثمئة متعاقد حسبما أفاد طبيب عسكري ومصادر أخرى على علم بالأمر.

وقال مقاول عسكري روسي خاص شارك في أربع مهمات إلى سوريا إنه وصل إلى هناك على متن طائرة تابعة لشركة أجنحة الشام أقلعت من مطار من روستوف.

وأضاف أن المتعاقدين يستخدمون أحيانا الطائرات العسكرية الروسية، عندما لا تستوعب طائرات أجنحة الشام أعدادهم بالكامل.

ضابط القوات الخاصة أوليغ أرخيروف قتل بسوريا ودفن بضواحي العاصمة موسكو (رويترز)

شهادات الموت

وأفاد موظف بالمطار بأنه “على حد علمنا هم متعاقدون”. وأشار إلى وجهتهم، وحقيقة أنه لا توجد نساء بينهم وأنهم يحملون حقائب عسكرية على الظهر.

وتشير المقابلات -التي أجريت مع أقارب متعاقدين قتلوا في سوريا- إلى أن رحلات الطائرات أي 320 إلى روستوف تستخدم لنقل متعاقدين عسكريين روس.

وقالت أرملة أحد المتعاقدين الذين قُتلوا في سوريا إن آخر مرة تحدثت فيها لزوجها عبر الهاتف كانت في 21 يناير/كانون الثاني من العام الماضي، وهو اليوم ذاته الذي سافرت فيه طائرة مستأجرة تتبع أجنحة الشام إلى سوريا، وفقا لبيانات تتبع رحلات الطيران.

وأضافت أنه بعد أن قتل سُلمت جثته إلى روسيا. وحصلت على شهادة وفاة تفيد أنه مات بسبب “نزف حاد ناجم عن شظايا وجروح من طلقات رصاص”.

ووصفت أرملتا متعاقديْن آخرين قُتلا في سوريا كيف وصلت جثتا زوجيهما إلى ديارهما. وقالتا إن ممثلي المنظمة التي جندت زوجيهما حذروهما من العواقب إذا تحدثتا مع وسائل الإعلام.

واطلعت رويترز على شهادتي وفاة المتعاقدين. وعلقت على إحداهما أن سبب الوفاة هو “تفحم الجسم” بمعنى أنه احترق حتى الموت. بينما أفادت الأخرى أن المتعاقد نزف حتى الموت من عدة جراح بسبب شظايا.

ونقلت إحدى الأرملتين عن زوجها بعد عودته من أول مهمة له في سوريا قوله إن المتعاقدين الروس غالبا ما يرسلون إلى المناطق التي يحتدم فيها القتال، ويكونون أول من يدخل البلدات التي تتم السيطرة عليها. ثم تدخل قوات الحكومة إلى البلدة وترفع العلم السوري وتنسب النصر لنفسها.

المصدر رويترز

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً