استمع لاذاعتنا

النازحون من الأتارب..رحلة في الجحيم

بدأ الجيش التركي أمس الأربعاء، بنشر قواته داخل بلدة الجينة ومحيطها جنوب غربي مدينة الاتارب في ريف حلب الغربي، وسبق للقوات التركية أن تمركزت في الفوج 46 جنوب شرق المدينة. الانتشار المفترض يهدف إلى منع تقدم قوات النظام والمليشيات الموالية نحو الأتارب بعد أن أصبحت على مسافة قريبة منها، وبرغم الانتشار التركي والاستقدام المتواصل للتعزيزات العسكرية إلا أن ذلك لم يوقف حركة النزوح الجماعية التي تشهدها المنطقة خلال الساعات ال48 الماضية.

 

وتعتبر مدينة الأتارب من أكبر المدن الخاضعة لسيطرة المعارضة في ريف حلب الغربي، ويزيد عدد سكانها عن 120 ألفاً، وشهدت المدينة زيادة كبيرة في عدد السكان خلال السنوات القليلة الماضية وتوسع عمرانها في الأطراف الأربعة، وأوى إليها آلاف المهجرين القادمين من مختلف المناطق السورية بما فيهم المهجرون من الأحياء الشرقية في حلب نهاية العام 2016.

وكانت المدينة جاذبة للسكان حتى وقت قريب باعتبارها بعيدة عن جبهات القتال ولا تتعرض للقصف بشكل كبير، إلا أنها أصبحت مؤخراً طاردة لسكانها، وأصبحت شبه خالية من الأهالي في وقت قياسي لا يزيد عن 72 ساعة.

تقدم قوات النظام والمليشيات الموالية المفاجئ نحو مناطق غرب الطريق الدولي حلب-دمشق، ووصولها إلى مشارف كفر نوران جنوبي المدينة بمسافة 7 كيلومتر، وسيطرتها مؤخراً على الشيخ علي، بالإضافة إلى القصف الجوي والبري العنيف الذي تعرضت له الأتارب أثار الذعر بين أهالي المدينة ودفعهم للخروج ليلاً نحو المناطق الشمالية خوفاً من تقدم قوات النظام ودخول المدينة.

مئات العائلات نزحت من منازلها سيراً على الأقدام ولم تحمل معها سوى لوازم قليلة في ظل الظروف المناخية القاسية التي تشهدها المنطقة، حيث انخفضت درجات الحرارة إلى معدلات قياسية في اليومين الماضية وتجاوزت حاجز -10، ما تسبب في وقوع وفيات بين الأطفال وكبار السن في المخيمات العشوائية القريبة من الحدود السورية-التركية.

مدير المكتب الإعلامي في الدفاع المدني في حلب إبراهيم أبو الليث أكد ل”المدن”، أن تقدم قوات النظام في ريف حلب الغربي تسبب في نزوح مئات الآلاف من المدنيين في وقت قياسي. وبحسب الليث، تعيش المنطقة كارثة إنسانية بسبب قصف طائرات النظام وروسيا الذي يهدف إلى إفراغ المنطقة بالكامل.

وتسبب القصف، الأربعاء، وفي وقوع مجزرتين مروعتين، الأولى في بلدة كفر عمة، والمجزرة الثانية في بلدة ابين سمعان، وقتل في المجزرتين 7 أشخاص بينهم أطفال، وفق أبو الليث.

عدد كبير من القرى والبلدات غربي حلب والضواحي الشمالية والغربية شهدت أيضاَ حركة نزوح جماعية، المنطقة المستهدفة بالعمليات العسكرية لقوات النظام كان يسكنها أكثر من 800 ألف مدني قبل التصعيد العسكري الأخير. القصف الجوي والبري طال غالبية البلدات والجمعيات السكنية، التي يزيد عددها عن 45 بلدة وقرية وجمعية سكنية، مهددة جميعها بالسقوط لصالح قوات النظام والمليشيات في حال استمر الوضع الميداني على ما هو عليه حالياً.

مصادر في فريق “منسقو الاستجابة”، أكدت ل”المدن”، أن الفريق وثق مؤخراً نزوح أكثر 6341 عائلة، وذلك خلال 48 ساعة، وبحسب المصادر، تم توثيق الزيادة الكبيرة في أعداد مخيمات النازحين خلال الشهرين الماضيين، والتي وصلت إلى (1259) مخيم يقطنها مليون و22 ألف نسمة.

الناطق الرسمي باسم “الجيش الوطني” الرائد يوسف حمود، أكد ل”المدن”، أن قوات النظام وحلفاءها تواصل سياسة التهجير في كل المناطق التي تستهدفها بعملياتها العسكرية، والتي يتم تنفيذها عبر القصف المركز وارتكاب المجازر وتدمير البنى التحتية والمرافق الخدمية. وأضاف أن العمليات العسكرية لقوات النظام والمليشيات دائماً تكون في شقين، الأول يستهدف الفصائل في مناطق الاشتباك لإحراز تقدم، والشق الثاني من العمليات العسكرية يكون أعنف ويستهدف البيئة الشعبية الحاضنة، أي قصف وتدمير المناطق تباعاً وتهجير سكانها قسراً.

الناشط الإعلامي محمد رشيد، قال ل”المدن”، إن هناك عجزاً في الاستجابة الطارئة لموجة النزوح الجماعي في مناطق ريف حلب الغربي والضواحي، فالأعداد هائلة والمخيمات والمدن والبلدات التي يتوجه إليها الأهالي الآن مليئة بالنازحين الذين هجروا قبل فترة قصيرة من مناطق ادلب لذا لا يمكنها استيعاب هذه الأعداد الكبيرة من النازحين.

يتوجه النازحون في الغالب نحو منطقتي “درع الفرات” و “غصن الزيتون” في ريف حلب، وقسم كبير منهم جرى تأمينهم في مراكز إيواء مؤقتة في أطراف المدن الكبيرة في إعزاز والباب وعفرين، وتمكن البعض منهم من استئجار منزل في مدن وبلدات المنطقتين. الطلب الكبير على المنازل وعدم وفرتها كان سبباً في رفع أسعار الإيجارات التي وصلت إلى 200 دولار أميركي للشهر الواحد في بعض المناطق شمالي حلب وادلب.