“انتفاضة” جنوب العراق… هل تَخْرب البصرة؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

لم تهدأ “الغضْبة الشعبية” المتواصلة منذ نحو أسبوع في أنحاء من جنوب العراق ، لا سيما في البصرة ، المدينة الأغنى في نفطها (3 ملايين برميل يومياً) والأشدّ بطالة وعوزاً في الوقت عيْنه، وهي الغضبة التي انفجرت تظاهرات امتدّت الى مدينة النجف التي جرى اقتحام مطارها قبل أن تتحول “بقعة زيت” آخذة في الانفلاش في اتجاه مدن أخرى.

وبدا رئيس الوزراء حيدر العبادي ، الذي كان قصَد البصرة من دون ان ينجح في وقف الاحتجاجات، مرتاباً من تَحوُّل تلك الانتفاضة كرةً متدحرجة، فأوعز بقطْع الانترنت للحدّ من التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبإجراءات تَحوُّط أمنية في بغداد ومناطق أخرى لمنْع اي احتجاجات، خصوصاً ان عنفها أدى الى سقوط ثلاثة قتلى وعدد من الجرحى.

ويصعب التكهن بما ستؤول اليه الحركة الاحتجاجية الآخذة بالتوسع، والتي اشتعلت بسبب البطالة المستشرية وسوء الخدمات، كانقطاع الكهرباء ومياه الشفة وتَعاظُم مظاهر الفساد، اضافة الى انسداد الأفق السياسي بعد انتخاباتٍ تَقرّر إعادة فرز نتائجها يدوياً والمناورات الجارية لعقد صفقة بين الكتل الشيعية الخمس الكبرى في شأن الحكومة العتيدة.

واللافت ان البصرة التي شكلت احتجاجاتُها شرارةَ الانتفاضة الحالية، هي المعقل الرئيسي الداعم للمرجع الشيعي السيد علي السيستاني، والتي كان وصلها من بريطانيا العام 2004 وتوجّه بحماية أهلها الى النجف التي كانت محاصَرة من المؤيّدين لزعيم “التيار الصدري” السيد مقتدى الصدر.

ولم يكن مفاجئاً دعم السيستاني للمَطالب التي يرفعها المحتجون، فموقفه نابعٌ من حرصه على حماية الناس، ومن دعواته المتكرّرة لمحاسبة المُفْسِدين الفاسدين من المسؤولين والإصغاء للفقراء والحدّ من التسييس في قضايا الخدمات، وهو ما تنضح به حناجر المتظاهرين المصابين باليأس من الوعود التي تبقى مجرّد وعود.

ورغم تضاؤل احتمال تحقيق تلك الاحتجاجات نتائج عملية في نهاية المطاف، فإنها تميّزت بطابعها العنفي مع اقتحام مطار النجف وبلوغ مدرّجاته وتعطيل حركة إقلاع الطائرات وهبوطها، الأمر الذي طرح مسألة قدرة أجهزة الأمن العراقية على الإمساك بالمعابر الحدودية وحمايتها.

وتحدّثت تقارير موثوقة عن ان المتظاهرين قاموا بحرْق مكاتب حزبيّة لمنافسي تيار مقتدى الصدر، مثل كتائب “حزب الله – العراق” و”عصائب أهل الحق”، وهما كانا انشقّا عن “التيار الصدري” قبل نحو عشرة أعوام، كما ان المتظاهرين هاجموا منازل أعضاء مجلس المحافظة في النجف، ودخلوا مراكز نفطية في البصرة.

والأكثر إثارة في هذا السياق ان المتظاهرين لم يترددوا في محاولة اقتحام الفندق الذي أقام فيه العبادي في البصرة يوم جاء لمعالجة الوضع عن قرب، وهو الأمر الذي أظهر أن الأوضاع خرجت بعض الشيء عن السيطرة.

وذكرت معلومات ان المحتجين قاموا صباح امس بإغلاق معبر صفوان مع الكويت، مطالبين بتحسين أوضاعهم وسبل العيش وتأمين الحد الأدنى من الخدمات العامة في ظل أوضاع مأسوية غالباً ما تتفاقم في فصل الصيف.

فالعراقيون، الذين ضاقوا ذرعاً بالوعود الحكومية الخاوية، “يحترقون” من قلّة الخدمات، وخصوصاً في فصل الصيف اللاهب حيث تراوح درجة الحرارة بين 45 و 50 درجة مئوية مع انقطاع دائم للتيار الكهربائي وشحّ مستمرّ في المياه، وسوء إدارة أزمات من هذا النوع.

والأشد إيلاماً في هذا المجال أن حاجة الشعب العراقي للخدمات الأساسية ومَطالبه بمحاسبة المُفْسِدين والفاسدين في الوظائف الحكومية الرئيسية في البلاد ليست جديدة او طارئة بل هي تعود الى بدايات الاحتلال الأميركي للعراق العام 2003، وهي المَطالب عينها التي يلحّ على تلبيتها السيد السيستاني في دعوته للحكومة، خصوصاً لرئيسها حيدر العبادي بضرورة محاسبة الفاسدين وجرّهم الى العدالة.

وهذه المطالب كان كرّرها السيستاني إبان الانتخابات النيابية التي انتهت في 12 مايو الماضي، ولم يستطع بعدها أي تكتل تشكيل تحالفٍ لاختيار رئيس جديد للحكومة. فالمتظاهرون يرفعون مَطالب المرجعية عيْنها وهم يقتحمون المقرات العامة ولسان حالهم ضرورة إسقاط جميع الأحزاب التقليدية من قيادة الدولة.

وثمة مَن يقول ان السيد مقتدى الصدر تماهى مع هذه الحال ما سمح له بتحصيل العدد الأكبر من المقاعد النيابية في الإنتخابات الأخيرة، اذ رفع شعار «إسقاط أحزاب الحيتان»، معتبراً نفسه خارج هذه التركيبة.

ورغم تفاقم الاحتجاجات، فان الحكومة لم تستطع حتى اليوم تأكيد نتائج الانتخابات النيابية بعدما نادت جميع الأحزاب بإعادة الفرز، متهمة الهيئة العليا للانتخابات بحوادث تزوير فاضحة.

وحسب توقعات جازمة تبلّغتْها صحيفة “الراي” من مصادر معنية، فإن إعادة الفرز لن تغيّر من نتائج الإنتخابات ولو بنسبة 2 في المئة، ما يعني أن مطلب معاودة الفرز لم يكن سوى محاولة لإعطاء الجميع، بمَن فيهم رئيس الوزراء، فرصة لكسب الوقت بحثاً عن تفاهم بين الكتل الشيعية الخمس الكبرى حول شخصية رئيس الوزراء المقبل، وهو ما لم يحصل حتى اليوم.

وما يضاعف من وطأة الهبّة الشعبية انها تأتي في الوقت الذي لم يخرج العراق بعد من الحرب على الإرهاب، وفي ظل أزمات هائلة. فثمة مدن ما زالت مدمّرة كالموصل، إضافة الى وجود لاجئين داخل العراق لم يسعهم بعد العودة الى منازلهم. والأكثر فداحة أيضاً ان الخزينة العراقية خاوية رغم مطالبات العراق بالحصول على “دعم خارجي لإعادة الإعمار”.

وثمة مَن يعتقد ان التظاهرات الشعبية مهما بلغت فإنها لن تؤدي الى حلول سحرية تُمكِّن اي حكومة او اي رئيس من تغيير الواقع الحالي، كما انه يُخشى من ان يُساء تفسير دعْم السيد السيستاني للمتظاهرين فتدخل البلاد في حال فوضى قد يصبح من الصعب احتواؤها، وهو الأمر الذي يستلزم تَدارُك الحال الراهنة سريعاً.

 

المصدر الراي الكويتية

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً