سلاح روسي تقليدي أشد خطرا وأكثر دمارا من النووي

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

إن الانسحاب من معاهدة الحد من الأسلحة النووية متوسطة المدى من شأنه أن يأخذ الولايات المتحدة خطوة واحدة إلى الأمام، ويرجع بالأمن الدولي خطوات عديدة إلى الخلف، حيث تعتبر معاهدة الحد من التسلح النووي متوسط المدى INF، بشكل عام، أحد الإنجازات البارزة على مستوى العالم للحد من التسلح، حيث تحظر امتلاك اثنتين من القوى العظمى لفئة كاملة من منظومة الأسلحة النووية.

ومن هذا المنطلق، فإن تلويح إدارة #ترمب ، في أواخر العام الماضي، بالانسحاب من المعاهدة أثار مخاوف من انطلاق سباق تسلح نووي جديد، حسبما جاء في مقال الخبير العسكري دكتور، روان أولبورت، الذي نُشر في موقع فورين بوليسي FP.
مهلة الأول من فبراير

تزعم الولايات المتحدة أن #روسيا تنتهك الاتفاقية بامتلاك منظومة صاروخ كروز طراز 9M729 الذي يمكن إطلاقه من منصات أرضية، وتقول واشنطن إنه يجب على موسكو أن تعود إلى الامتثال بمعاهدة INF بحلول أوائل فبراير أو أن تبدأ واشنطن عملية الانسحاب الرسمية، التي تستغرق 6 أشهر.

اللعب بالنار

إن التراجع عن المعاهدة ربما يكون ضاراً بالنسبة للولايات المتحدة، حيث إن موسكو لا تحتاج إلى أي قدرة نووية إضافية. بل إنها ستستفيد إلى حد كبير من استعادة القدرة على نشر صواريخ تقليدية جديدة تطلق من منصات أرضية، وهي عملية يمكن أن تفتح الأبواب على مصراعيها للعب بالنار في حال انسحبت واشنطن من معاهدة INF.

قصيرة ومتوسطة المدى

وفي كل الأحوال، دار القليل من النقاش حول تأثير إلغاء الاتفاق على أنظمة الأسلحة النووية في أوروبا. فعلى الرغم من اسمها، إن معاهدة INF لا تحظر فقط الصواريخ الأرضية التي يتراوح مداها بين 500 و5.500 كيلومتر، بل إنها تنص بالفعل على إزالة جميع الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، التي تمتلكها واشنطن وموسكو، بغض النظر عن الرؤوس الحربية التي تحملها سواء كانت تقليدية أو نووية. ولهذا السبب، فإن التخلي عن المعاهدة سيكون له آثار خطيرة على المدى القصير ويمتد إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد القلق بشأن الأسلحة النووية.

القدرة التدميرية للأسلحة التقليدية

إن معاهدة الحد من الأسلحة النووية، التي تضع أيضا حظرا على القذائف التي يتم إطلاقها من منصات أرضية حاملة رؤوس حربية تقليدية، لم تكن تعتبر مسألة رئيسية عند توقيعها، لأن هذه الأسلحة كانت تعتبر في العموم أمورا ثانوية بالمقارنة مع نظيراتها النووية. ولقد كان من الواضح للبعض أنه ربما هناك فرص محتملة وإمكانيات ناشئة للأسلحة الموجهة بدقة ذات المدى الممتد.

وفقاً لنيكولاي أوغاركوف، رئيس الأركان العام السوفيتي آنذاك، الذي قال في عام 1984، إن توافر هذه الأنظمة التقليدية يمكن أن “تتاح الإمكانية لزيادتها بشكل حاد (على الأقل من حيث الأعداد والأحجام) والقدرة التدميرية لها، بحيث تكاد تكون مماثلة أو قريبة، إذا جاز التعبير، من قدرات أسلحة الدمار الشامل من حيث الفعالية.

تجارب عملية في حروب مختلفة

وتجلت تلك الإمكانات المدمرة بوضوح تام عندما تم استخدامها خلال حرب الخليج 1990-1991، والعمليات العسكرية اللاحقة في يوغسلافيا السابقة وأفغانستان والعراق وليبيا، مما أعطى زخما لوجهة نظر المدافعين عن نظم التسلح التقليدي الموجهة بدقة وظهر مصطلح “دبلوماسية توماهوك”، ليدخل بعدها إلى معجم السياسة الخارجية الأميركية.

العقيدة العسكرية الروسية

أعادت موسكو تطوير منظومة الأسلحة الموجهة بدقة، كجزء من إعادة تجديد القوات المسلحة الروسية ككل. وكمسألة سياسية، أعطت روسيا على نحو متزايد الأولوية للضربات الاستراتيجية التقليدية كبديل لبعض المهام المحددة التي كانت توكل في السابق إلى قوتها النووية.

وتنص العقيدة العسكرية الروسية الحالية، التي تم نشر تفاصيل عنها في عام 2014، على أن روسيا تعتبر الأسلحة الموجهة عالية الدقة عنصراً رئيسياً في الردع الاستراتيجي. وبشكل أكثر وضوحا، تقول النسخة المعاصرة من المذهب البحري الروسي، التي تم نشرها عام 2017: “مع تطوير أسلحة عالية الدقة، تضطلع القوات البحرية بتنفيذ هدف جديد نوعيا، وهو تدمير قدرات العدو العسكرية والاقتصادية من خلال قصف منشآته الحيوية من البحر”.

ترسانة متقدمة من الأسلحة التقليدية

قامت روسيا بعمل مقارنة على الورق بين تطور استراتيجيتها العسكرية ونشر أنظمة قادرة على تحقيق أهداف هذه الاستراتيجية. ففي البحر، تحمل حاليا السفن والغواصات السطحية الجديدة والحديثة صاروخ كروز من طراز Kalibr 3M-14، وهو سلاح يتراوح مداه من 1500 إلى 2500 كيلومتر، وفي الجو، تم تجهيز العديد من قاذفات القوات الفضائية الروسية طراز Tu-95 وTu-160 Blackjack بصواريخ كروز Kh-101 جو-جو، الذي لا يقل نطاقها عن مدى 2500 كيلومتر. وتم استخدام هذين النظامين بنجاح ضد أهداف في سوريا.

كما تم إدخال صواريخ جو-أرض إضافية لتجهيز القاذفات والمقاتلات التكتيكية الروسية، بما فيها طرازا كينزال Kh-47M2 وKh-50، اللذان ربما يكونان قد بلغا مرحلة دخول الخدمة بالقوات الروسية أو في مراحل التطوير النهائية.

وأعلنت موسكو عن تطوير صواريخ موجهة بالغة الدقة من منصات أرضية، من أبرزها الصواريخ الباليستي 9K720 Iskander-M وكروز 9M728 Iskander-K.

ومع ذلك، فبموجب معاهدة الحد من الأسلحة النووية، يقتصر الأمر في الوقت الراهن على نطاق إطلاق نار محتمل يبلغ 499 كيلومترا فقط، مما يمثل نقطة سلبية واضحة وعائقا كبيرا بالنسبة لروسيا.

مميزات نسبية في صالح الولايات المتحدة

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن القوات البحرية والجوية، على وجه الخصوص، لها حرية استخدام ترسانة هائلة من القذائف الانسيابية، الخاصة بالناتو، والتي تقع خارج نطاق حدود اتفاقية INF، بفضل إطلاقها من السفن والغواصات والطائرات.

ولأنها تفتقر إلى الموارد المتاحة بحرا وجوا من الناتو، فإن السبيل الوحيدة أمام روسيا لمواجهة هذا الترسانة الضخمة هو تطوير صواريخ تقليدية قاتلة تنطلق من منصات أرضية.

ومن شأن إلغاء معاهدة الأسلحة النووية في الوقت الراهن أن يجعل هذا التطوير خطوة محتملة على نطاق واسع. وفي حين أن الاتفاقية لم تنجح بالكامل في منع روسيا من نشر أسلحة تنتهك أحكامها، كما تبين من نشر الصاروخ كروز 9M729، ولكن يبدو أيضا أنها لم تدخل الخدمة إلا بأعداد محدودة.

استياء روسي من القيود

ومن الواضح أن روسيا تشعر بالاستياء من القيود المفروضة بموجب معاهدة INF، ففي ديسمبر عام 2018، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن هذا الاتفاق يعد بمثابة نزع سلاح أحادي الجانب. ويجادل بوتين بأن الاتحاد السوفيتي، لم يكن يمتلك أسلحة، جوية وبحرية متوسطة المدى، مماثلة للتي حازتها الولايات المتحدة في هذا الوقت (رغم أن هذا الادعاء غير صحيح).

وحرص بوتين على تفادي أي انطباع بالضعف، حيث مضى إلى القول إن روسيا لم تعد بحاجة إلى مثل هذه الأسلحة بفضل ترسانتها الصاروخية الجديدة. غير أنه حرص أيضاً على تسليط الضوء على سهولة تعديل الصواريخ الروسية، التي تطلق من البحر والجو، بحيث يمكن إطلاقها من منصات أرضية، ربما في محاولة للتقليل من المخاوف والشكوك بأن صواريخ 9M729، هي ببساطة مجرد صواريخ Kalibr، يمكن تعديلها لكي يتم إطلاقها من منصات أرضية.

سلبيات إلغاء معاهدة INF

وعلى الرغم من احتجاجات بوتين، في الوقت الحالي، فإن قدرة موسكو الاستراتيجية غير النووية الهجومية تعد قوية ولكنها لا تصنف كقدرة ساحقة. ومن المحتمل أن تؤدي المبادرات المختلفة التي يقوم بها أعضاء حلف الناتو، بما في ذلك التحسينات في المنصات الأرضية للدفاعات المضادة للطائرات والصواريخ، بالإضافة إلى إعادة تأكيد الوجود البحري للناتو في المياه الشمالية، إلى تقليص القدرات الروسية.

ولكن في حالة الانسحاب من معاهدة INF وإلغائها، فسيكون لروسيا مطلق الحرية في الإنتاج الشامل بشكل علني لكل الطرز الممكنة من الصواريخ التقليدية من طراز 9M729 أو أي أنظمة لاحقة.

مكافأة سخية لموسكو

ويتمثل التهديد الأساسي في أنه إذا تم إطلاق هذه الصواريخ من أي موقع في غرب روسيا، فسيمكن أن تصل إلى أي نقطة في أوروبا. ويمكن لموسكو، إذا تحررت من قيود معاهدة INF، أن تستخدم أنظمة إطلاق رخيصة نسبيًا تعتمد على المركبات المتحركة، بدلا من السفن والمركبات باهظة التكاليف، لبناء قوة ضاربة بأسلحة تقليدية. وسيعد هذا الانسحاب بمثابة مكافأة سخية لروسيا ومن شأنه أن يحقق تأثيراً رادعاً كبيراً، وإذا تم اللجوء لاستخدامه، فإنه سيلحق أضراراً كبيرة بدول الناتو.

فخ الكرملين المحتمل

في نهاية المطاف، تعد أنظمة موسكو النووية الحالية أكثر من كافية لاحتياجاتها. وبدلاً من ذلك، ستوفر القدرات التقليدية المحسنة أكبر مكافأة ممكنة وتشكيل أكبر تهديد يمكن أن يواجه الغرب. لهذا السبب، يجب على الولايات المتحدة أن تفكر ملياً قبل إنهاء معاهدة الحد من الأسلحة النووية INF والوقوع في فخ محتمل ينصبه الكرملين لها.

المصدر العربية

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More