استمع لاذاعتنا

ما سر الموقف الأمريكي غير الحاسم من طرفي النزاع في ليبيا؟

الصراع في ليبيا تحوّل إلى حرب بالوكالة بين طرف يحظى بالشرعية والاعتراف الدولي، وآخر يسعى لفرض أمر واقع بقوة السلاح، وبما أنّ مواقف القوى الدولية معروفة إلى حدٍّ كبير، يظل موقف الولايات المتحدة الأمريكية «غير حاسم» على أفضل تقدير، وهذه محاولة لقراءة أسباب التخبط الواضح في موقف واشنطن.

 

متى كانت البداية؟
عندما شنّ الجنرال خليفة حفتر هجومه المفاجئ على طرابلس، مطلع أبريل/نيسان الماضي، كان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جيتيريش موجوداً هناك يعقد اجتماعات مع حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، برئاسة فايز السراج، استعداداً لجمع الأطراف الليبيبة، تحت مظلة الأمم المتحدة، للاتفاق على جدول زمني للعملية السياسية وإجراء الانتخابات.
حفتر، مدعوماً من مصر والإمارات والسعودية وفرنسا أراد أن يستولي على طرابلس بالقوة، وأن يفرض أمراً واقعاً يُحقق من خلاله مصالح داعميه الإقليميين والدوليين. اجتمع مجلس الأمن بصورة عاجلة في الخامس من أبريل/نيسان (أي بعد بدء حفتر هجومه بيومين فقط)، وعبّر عن القلق، ودعا الأطراف المتنازعة لوقف الأعمال العسكرية فوراً، والعودة لمائدة المفاوضات.
واشنطن بالطبع كانت ضمن المجتمعين في مجلس الأمن، وكان موقف السياسة الأمريكية معروفاً، وهو الدعم لحكومة الوفاق والالتزام بقرارات الأمم المتحدة بحظر تصدير السلاح إلى الأطراف المتنازعة في ليبيا، وكانت قوات مكافحة الإرهاب الأمريكية في الصحراء الإفريقية تنسق عملياتها مع حكومة الوفاق.
مكالمة «غريبة» خلطت الأوراق
وفي يوم الإثنين 15 أبريل/نيسان، رفضت الولايات المتحدة تأييد قرار لمجلس الأمن يدعو إلى وقف إطلاق النار في ليبيا، كانت قد تقدمت به بريطانيا، وهو ما أثار علامات استفهام وقتها، ولكن البيت الأبيض قال في بيان بعدها بأربعة أيام (الجمعة 19 أبريل/نيسان)، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث هاتفياً مع حفتر، وإن المكالمة تناولت «الجهود الجارية لمكافحة الإرهاب والحاجة لإحلال السلام والاستقرار في ليبيا».
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد في لقاء سابق – رويترز
اتضح لاحقاً أن المكالمة «غير المعتادة» -حيث إن حفتر لا يحمل منصباً رسمياً في ليبيا- جرت قبل التصويت في مجلس الأمن (الإثنين 15 أبريل/نيسان) بساعات قليلة، وكشفتThe Washington Post الأمريكية كواليس إجراء تلك المكالمة، ودور ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد في إقناع ترامب بالحديث مع حفتر.
نتج عن تلك المكالمة ارتباك شديد في السياسة الأمريكية تجاه ما يجري في ليبيا، حيث إن وزارة الخارجية أصبحت في مأزق بين الدعم المعلن للتسوية السياسية هناك -وهو الموقف الدولي- وبين دعم البيت الأبيض المفاجئ لأمير حرب يسعى للاستيلاء على السلطة بقوة السلاح، وفرض أمر واقع، بدعم من لاعبين إقليميين لهم مصالح سياسية واقتصادية.
فشل حفتر عسكرياً زاد الموقف ارتباكاً
مع مرور الأيام والأسابيع والشهور وتكرار فشل «ساعة الصفر» التي أعلنها حفتر مرة بعد مرة لحسم المعركة واقتحام طرابلس، تراجع الاهتمام الأمريكي بليبيا إلى حد كبير، بعد أن كانت هناك تقارير حول استقبال حفتر في البيت الأبيض.
ومع انشغال واشنطن بملفات أخرى أكثر سخونة، مثل الحرب التجارية مع الصين، وأزمة إيران، ثم قضية عزل ترامب وفضيحة أوكرانيا، تراجع الصراع الليبي حتى على مستوى التغطية الإعلامية الأمريكية، وبدا أن إدارة ترامب قرّرت الابتعاد عن الملف الليبي وتركه للاعبين آخرين، خصوصاً في ظل الانقسام الأوروبي بين فرنسا التي تدعم حفتر وإيطاليا التي تدعم حكومة الوفاق.
المرتزقة الروس أعادوا الاهتمام الأمريكي للملف
وعلى الرغم من أن هجوم ميليشيات حفتر، التي يسميها «الجيش الوطني الليبي»، المستمر منذ ثمانية أشهر قد أدى لمقتل أكثر من ألف شخص، بينهم أكثر من مائتي مدني، ونزوح ما يقارب 128 ألفاً إلى خارج مناطق القتال حول العاصمة، وفق تقارير دولية، إلا أن العنصر الذي حرّك الاهتمام الأمريكي بليبيا كان روسيا.
حفتر في روسيا
فقد أصدرت المتحدّثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية مورغان أورتاغوس، السبت الماضي 21 ديسمبر/كانون الأول، بياناً، أعربت فيه عن «شعور بلادها بالقلق» إزاء تهديدات قوات حفتر باستخدام القوات الجوية والمرتزقة الذين توفرهم الدول الأخرى لمهاجمة مدينة مصراتة (200 كلم شرق طرابلس)، في إشارة إلى المرتزقة الروس، الذين تحدّثت حكومة الوفاق الوطني قبل أيام عن وجود ما بين 600 إلى 800 من المقاتلين الروس ضمن قوات حفتر، بحسب وكالة الأناضول.
ووفقاً لخبراء غربيين فإن مشاركة 1400 من المرتزقة الروس العاملين في شركة فاغنر للحماية الأمنية والعسكرية الخاصة، في القتال إلى جانب قوات حفتر، أسهمت في إخلال موازين القوى على الأرض لصالح هذه القوات التي تُقاتل على أطراف العاصمة طرابلس.
واشنطن في مأزق
المأزق الذي تواجهه واشنطن الآن يتمثل في تشابك الملفات والمصالح في ليبيا، بصورة يصعب معها اتخاذ موقف داعم لأي من الطرفين، فدعم حفتر يعني ببساطة تقديم ليبيا على طبق من ذهب لروسيا، التي أصبح لها وجود عسكري بالفعل على الأرض، وهو ما لن يصبّ في صالح الولايات المتحدة، خصوصاً فيما يتعلق بالنفط.
ما حدث في سوريا من استيلاء القوات الأمريكية على حقول النفط لن يكون ممكناً في ليبيا إذا ما استولت ميليشيات حفتر على طرابلس بالقوة، وبدعم روسي من خلال مرتزقة فاغنر، حيث إن واشنطن ليست لديها قوات على الأرض.
كما أن تحويل واشنطن لدعمها من حفتر إلى حكومة الوفاق لن يكون سهلاً، في ظل ضغوط حلفائها الإقليميين مصر والإمارات، إضافة إلى الانقسام الأوروبي بين فرنسا وإيطاليا، وهو ما يزيد من تعقيد الموقف واستحالة اتخاذ موقف حاسم من طرفي الأزمة.
حسابات المصالح وتوازنات القوى على الأرجح لن تسمح إلا بالحل السياسي والدبلوماسي في ليبيا، حيث إن الحسم العسكري يبدو خياراً مفخخاً، والسؤال الآن هو إذا ما كانت واشنطن ستصل لتلك النتيجة قبل فوات الأوان.