بعد أسبوع من سيطرة قوات المعارضة السورية على ثاني أكبر مدينة في سوريا، في تقدم مفاجئ في عمق الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة، بدأت مظاهر الحياة الطبيعية تعود إلى حلب ببطء.
وتم رفع حظر التجول الليلي وعاد الخبز إلى أرفف المخابز. وعاد رجال شرطة المرور إلى تنظيم حركة السيارات عند التقاطعات، وتحسنت تغطية الإنترنت مع توسع نطاق شبكة الاتصالات المرتبطة بالمعارضة، وفقا لما ذكره ستة من السكان وأظهرته صور التقطتها رويترز.
ويرى محللون أن هذه الخطوات جزء من مساعي يبذلها تحالف القوات المعارضة السورية ليظهر للسوريين وللغرب أنه بديل عملي للرئيس بشار الأسد.
وقال محمد خليل (52 عاما) وهو صاحب شركة سياحة “توقعنا أن يكون الوضع سيئا للغاية لكن الشباب تعاملوا مع المدينة بشكل جيد للغاية” في إشارة إلى مقاتلي المعارضة. وأضاف أن إمدادات المياه تشهد انقطاعا رغم عودة بعض الخدمات.
وتتمتع المعارضة ببعض الخبرة في إدارة الشؤون المدنية.
لكن تحديات جديدة تتكشف مع تقدم المعارضة في حلب حيث كانت قوات الحكومة السورية قد طردت تحالفا سابقا للمعارضة من مناطق سيطرت عليها بعد سنوات شهدت حصارا وقصفا مدعوما من روسيا. وهو ما ترك ندوبا عميقة في المدينة القديمة، أحد المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
ويعيش في المدينة والمحافظة التي تحمل الاسم نفسه أقليات تمتد جذورها في المنطقة تشمل المسيحيين السوريين والأرمن والأكراد والشيعة، وكانوا مثل العديد من المسلمين السوريين الآخرين يشعرون بمخاوف طوال فترة الحرب المستمرة منذ ما يقرب من 14 عاما من أن يهدد الحكم الإسلامي نمط حياتهم.
وفي مسعى لطمأنة سكان حلب ومنهم الأقليات والصحفيون والموظفون الحكوميون، نشرت المعارضة السورية بيانات عبر رسائل نصية تقول فيها إن سيطرتها على المدينة لن تهدد أمنهم. كما تعهدت بمواصلة تشغيل الخدمات الأساسية.
وحتى الآن، بقي المسيحيون إلى حد كبير في المدينة وأقاموا قداسا يوم الأحد الماضي بحضور عناصر من المعارضة.
وعلى النقيض من إدلب، حيث أسست المعارضة حكمها بالفعل في معظم أنحاء المحافظة بعدما تولت حكومة الإنقاذ إدارتها، تتوسع المعارضة الآن في معاقل الحكومة في تقدم سريع إذ تجاوز مقاتلوها حلب لمسافة 130 كيلومترا أخرى جنوبا ووصلوا إلى مدينة حماة، و أصبحوا على مشارف حمص.
وقال نوار شعبان المحلل في مركز هرمون في إسطنبول “التحديات هائلة و المعارضة تعرف ذلك”، مشيرا إلى العدد المتزايد من السكان الذي تتحمل المعارضة مسؤولية إدارة شؤونه وتوفير خدمات فعالة له.
حكم انتقالي
إلا أن الأمور لن تكون سهلة على الإطلاق. فقد تراكمت القمامة في شوارع حلب. وانخفضت قيمة الليرة السورية الأسبوع الماضي من 15 ألفا مقابل الدولار إلى نحو 22 ألفا. ومع تزايد برودة الطقس، قال سكان إنهم يخشون عدم وجود ما يكفي من المياه أو الوقود لتدفئة منازلهم.
ورغم مخاوفهم من انهيار الأمن في المدينة بعد سيطرة المقاتلين عليها، قال سكان إنهم سعداء لرؤية الحياة تستمر بشكل طبيعي على نطاق واسع مع فتح الأسواق والمخابز ومحطات الوقود، وإن كان الأمر لا يخلو من الطوابير الطويلة وارتفاع الأسعار.
وقال سعيد حنايا (42 عاما)، وهو من حلب ويملك متجرا صغيرا، إن المياه تمثل مشكلة لكن “المخابز كانت أفضل قليلا، ربما بسبب التوزيع (الأفضل) والمساعدات التي تأتي”.
وأظهر مقطع فيديو لرويترز العشرات من أفراد القوات الحكومية يصطفون في طوابير بعد أن فتحت المعارضة السورية مراكز يديرها مسلحون ملثمون يرتدون زيا أسود ويشجعون أفراد الأمن على الانشقاق والحصول على بطاقة مؤقتة تحميهم من أي ردود فعل انتقامية محتملة. وتضمنت لافتة مطبوعة بشكل احترافي شروط الحصول على مثل هذه البطاقة.
واعتبر سابان أن هذا أسلوب جديد تتبعه المعارضة السورية لتوضح مدى استعدادها لإظهار السعي إلى انتقال سلس إلى حكمها، دون إراقة الدماء التي كانت سمة لم تغب عن المراحل السابقة من الحرب السورية.
ومن بين المؤشرات الأخرى التي تعكس نواياها طباعة قوائم الأسعار في محطات البنزين بالليرة السورية، جنبا إلى جنب مع الليرة التركية والدولار.
وقال سابان “المعارضة السورية تراهن على القبول الدولي لها بناء على طريقة إدارتها للمعركة والشؤون المدنية في المناطق التي سيطرت عليها، وخاصة تلك التي تضم أقليات”.
واتسم رد فعل الغرب بالحذر. فدعا المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر هذا الأسبوع إلى عملية سياسية لخفض التصعيد وتحديد من يتولى قيادة البلاد.
وعلى عكس إدلب، أعلنت المعارضة السورية في بيانات أنها لا تنوي إدارة حلب من خلال حكومة الإنقاذ. وقالت دارين خليفة الباحثة لدى مجموعة حل الأزمات الدولية والتي على اتصال مع القيادي بالمعارضة السورية أحمد الشرع (الجولاني سابقاً) إن الإعلان جاء لتجنب “عرقلة” وصول المساعدات الدولية “بسبب تصنيف هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية”.
وأضافت دارين لرويترز “إنهم يفكرون في كل ذلك”، لكنها لفتت إلى أن كثيرا من السوريين ما زالوا يشعرون بالقلق إزاء تداعيات التطورات على حرياتهم الشخصية والدينية.
وأخبر الشرع دارين يوم الثلاثاء بأن المعارضة السورية تعتزم تشكيل “جهة انتقالية” لإدارة حلب – لا أن يتم تكليف حكومة الإنقاذ بتلك المهمة – وسيوجه مقاتليها لمغادرة المناطق المدنية “في الأسابيع المقبلة”، بحسب ما كتبت دارين على موقع إكس.
وقال عبد الرحمن محمد مسؤول العلاقات العامة في حكومة الإنقاذ إن المقاتلين بدأوا بالفعل الانسحاب من المدينة. وأضاف أن المعارضة لم “تتطرق بعد لشكل الحكومة السياسية المقبلة”.
وذكرت دارين أن المعارضة السورية “لا تزال تجري مناقشات بشأن كيفية حكم منطقة أكبر وأكثر تنوعا مثل حلب وربما حماة”.