
صواريخ إيرانية معروضة في متحف القوات الجوية التابعة للحرس الثوري الإسلامي في طهران. رويترز
أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين مطلعين، بأن إيران استأنفت إنتاج الصواريخ الباليستية باستخدام مكونات كانت مخزنة لديها، بالتزامن مع إعادة تشغيل عدد من المنشآت تحت الأرض، في خطوة تعكس مساعي طهران لإعادة بناء جزء من قدراتها العسكرية التي تضررت خلال الحرب.
وبحسب المسؤولين، تركز إيران في المرحلة الراهنة على تجميع صواريخ جديدة من مكونات متوافرة لديها، وإن كان ذلك بوتيرة أقل من معدلات الإنتاج التي كانت قائمة قبل الحرب. وتشمل عملية التجميع صواريخ تعمل بالوقود السائل وأخرى بالوقود الصلب، الذي يتيح تخزين الصواريخ وهي في حالة جاهزية أكبر للاستخدام.
وتشير المعلومات الاستخباراتية الأميركية إلى نشاط متزايد داخل عدد من المنشآت تحت الأرض، بينها منشأة خوجير الصاروخية الواقعة جنوب شرقي إيران، فيما تعمل طهران على إنشاء مواقع تجميع جديدة تحت الأرض، بهدف تقليل احتمالات تعرضها للاستهداف في أي ضربات مستقبلية.
واشنطن: القدرات الإيرانية تضررت بشدة
في المقابل، لم يؤكد مسؤول في البيت الأبيض بشكل مباشر استئناف إيران إنتاج الصواريخ الباليستية، لكنه قال إن المنشآت النووية الإيرانية «دُمّرت بالكامل»، وإن القدرات العسكرية الإيرانية «تضررت بشدة».
وأضاف أن إيران «أضعف الآن مما كانت عليه في أي وقت مضى»، مشدداً على أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب «لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي».
من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» شون بارنيل إن الولايات المتحدة دمرت ما يصل إلى 90% من القاعدة الصناعية الإيرانية المرتبطة بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والقدرات البحرية، مؤكداً أن الضربات أضعفت بشكل كبير قدرة طهران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.
إلا أن مسؤولاً أميركياً أشار إلى أن إيران ربما استأنفت الإنتاج بمعدلات منخفضة بعد التوصل إلى اتفاق أولي مع إدارة ترامب في منتصف يونيو، ما ساهم في فتح الطريق أمام إعادة تشغيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وبدء محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب.
وبحسب المسؤول، تمتلك طهران من المكونات المخزنة ما يسمح لها بتجميع ما لا يقل عن 200 صاروخ.
مخزونات جاهزة تحت الأرض
وقال جيم لامسون، الباحث الزائر في كلية كينغز كوليدج لندن والمحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والمتخصص في الشؤون العسكرية الإيرانية، إن طهران كانت قد خزنت قبل الحرب مكونات أساسية للصواريخ، من بينها رؤوس حربية مكتملة وهياكل صواريخ وأنظمة توجيه وتحكم.
وأشار إلى صور ومقاطع فيديو سابقة نشرتها إيران وتظهر كميات كبيرة من هذه المكونات داخل منشآت تحت الأرض.
ويرتبط حجم الإنتاج الذي تستطيع إيران استعادته بحجم مخزوناتها المتبقية وعدد المنشآت التي لا تزال قادرة على العمل، فيما رجح لامسون أن يتراوح عدد الصواريخ التي يمكن إنتاجها بين مئات وربما آلاف الصواريخ.
وكانت إيران قد استهلكت جزءاً من مخزونها من الصواريخ الجاهزة خلال الحرب، ما دفعها إلى تقليص حجم هجماتها، إلا أنها لا تزال تحتفظ بقدرات صاروخية كبيرة.
آلاف الصواريخ الباليستية
بدوره، قدر تال إنبار، كبير المحللين في «تحالف الدفاع الصاروخي» الأميركي، أن الترسانة الإيرانية لا تزال تضم آلاف الصواريخ الباليستية.
وقال إن الاعتقاد بأن إيران لن تعمل على إعادة بناء قدراتها الصاروخية سيكون «ساذجاً للغاية»، مشيراً إلى أن توقف الضربات يمنح طهران فرصة لإصلاح البنية التحتية المتضررة، وتأمين مكونات جديدة من الخارج وتخزينها في منشآت محصنة.
وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد نفذتا آلاف الضربات ضد مواقع إنتاج الصواريخ ومستودعات التخزين ومنصات الإطلاق خلال المراحل الأولى من الحرب، ما ألحق أضراراً واسعة بالبرنامج الصاروخي الإيراني.
كما أدى الحصار البحري إلى تعقيد عمليات استيراد بعض المكونات والمواد اللازمة لإنتاج الوقود الصلب.
طهران تستغل فترة الهدوء لإعادة البناء
وتشير المعطيات إلى أن إيران استغلت فترة الهدوء خلال الصيف لإعادة بناء أجزاء من قدراتها العسكرية، انطلاقاً من تقدير بأن وقف إطلاق النار قد لا يستمر لفترة طويلة.
وكان وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قد قال في أبريل إن البرنامج الصاروخي الإيراني «دُمر عملياً»، وإن طهران لم تعد قادرة على إنتاج صواريخ جديدة.
لكن صور الأقمار الصناعية أظهرت، وفق تقارير سابقة، أن إيران تعمل على إعادة بناء عدد من منشآتها، بما في ذلك جسور وطرق ومواقع مرتبطة بإنتاج الصواريخ، بوتيرة أثارت مخاوف لدى مسؤولين إسرائيليين.
كما أعادت طهران فتح مداخل أنفاق في قواعد صاروخية كانت الغارات الأميركية والإسرائيلية قد تسببت في انهيارها، فيما تشير تقديرات عسكرية إسرائيلية إلى أن جزءاً كبيراً من الأسلحة المخزنة داخل هذه المنشآت ربما بقي محفوظاً.
تحديات أمام استعادة الإنتاج الكامل
ورغم جهود إعادة البناء، تواجه إيران تحديات كبيرة أمام استعادة قدرتها السابقة على تصنيع الصواريخ على نطاق واسع.
ويعود البرنامج الصاروخي الإيراني إلى ثمانينيات القرن الماضي، خلال الحرب العراقية الإيرانية، عندما كانت طهران تفتقر إلى قوة جوية حديثة، قبل أن تتحول الصواريخ تدريجياً إلى أحد أبرز عناصر استراتيجية الردع الإيرانية.
وسبق لإيران أن أظهرت قدرة على إعادة بناء برنامجها الصاروخي بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل في يونيو 2025. وعلى الرغم من استهداف مواقع البرنامج، تمكنت طهران من إعادة بناء مخزوناتها بوتيرة أسرع من المتوقع، ما دفع إسرائيل إلى التحذير من احتمال الحاجة إلى شن ضربات جديدة قبل نهاية العام.
وقالت نيكول غرايفسكي، الخبيرة في الاستراتيجية الإيرانية في معهد «ساينس بو» في باريس، إن قدرة إيران على إعادة بناء برنامجها الصاروخي تبدو أسرع وأكثر تشتتاً من قدرتها على إعادة بناء برنامجها النووي، مشيرة إلى أن طهران طورت هذه البنية التحتية المعقدة أساساً تحسباً لمحاولات استهدافها وتدميرها.
وفي سياق متصل، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، اليوم الخميس، إن «التحركات السياسية» التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تدفع دولاً إلى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وجاءت تصريحات رضائي بعد يوم من تمرير مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً بإبلاغ مجلس الأمن الدولي بأن إيران انتهكت التزاماتها المتعلقة بعدم الانتشار النووي، في تطور يزيد الضغوط الدولية على طهران بالتزامن مع مساعيها لإعادة بناء قدراتها العسكرية.