
بشار الأسد يخطب أمام رجال دين
بينما تستفحل في بلاده مجاعة تدفع الشعب السوري يوميا إلى الانتظار لساعات طويلة للحصول على بضعة أرغفة من الخبز وقليل من الطعام ينقذون به بطونهم التي لا تساوي بالنسبة لرئيس النظام السوري، سوى أنها تابعة لرؤوس مجبرة على التأييد وإلا سيكون مصيرها التعذيب ثم التعذيب حتى الموت.
في مشهد لا يتجاوز الأهزوجة، توسط بشار “الأسد” على مؤيديه ليخلع عنه “بقايا” ثوبه السياسي المثخن بالدماء، ليعالج قضايا الأمة الإسلامية، ويكشف للجموع المؤمنة ثغرات لم يتنبه لها أحدا سواه، أطروحة مزجت بين الدين والسياسة، جلس “الأسد” الذليل بين حلفائه، يشرح كيف أن المسلمين لا يفهمون الدين و”يتبعونه بشكل خاطئ”، داعياً إلى الاعتماد على “التفسير الجامع”، نعم، هي نصيحة شيخ”القتل” الذي قرر بأن المسلمين لم يفهموا الإسلام، وهو الأكثر عداوة وحقدا على الإسلام، ولعل مجازره الطائفية بحق الملسمين هي الإثبات الذي لا تشوبه شائبة.
وعلى الرغم من شحيح الدواء واستشراء الفساد والسرقات والفوضى في العاصمة وقلة المواد الغذائية وتهالك القطاع الطبي وانتشار فيروس كورونا، لم يعط “الأسد” أي اهتمام يذكر لهذه المواضيع على اعتبارها ثانوية وهامشية بالمقارنة مع الموضوع الأساسي الذي جاء ليطرحه أمام رجال دين تابعين لوزارة الأوقاف في دمشق، وهو أن “العدو الحقيقي للإسلام من أبناء الدين الإسلامي”.
وحمل الخطاب بحسب موقع “الحرة” مجموعة من المصطلحات التي وضعت في جمل غير واضحة، في وقت تعاني البلاد من أزمة اقتصادية هي الأضخم منذ اندلاع الأزمة عام 2011، إذ لم يتناول الظروف المعيشية الصعبة، والشحّ في المواد الغذائية والمستلزمات الضرورية للعيش، واكتفى بعرض مفاهيم عامة.
ورأى متابعون أنّ الأسد عمد إلى الخطاب المطوّل الذي تناول مفاهيم مرتبطة بالدين الإسلامي، لتكريس دور المؤسسة الدينية في دعمه ومناصرته من جهة، وليغطي عن تقصير النظام في القضايا اليومية التي تهم المواطن، وكذلك اعتبروا أنه يحاول التهرب من التحولات والاستحقاقات السياسية التي تفرض نفسها في سوريا وتلك المتعلقة بالمؤشراته الأمنية.
مغالطات
فما هي المغالطات التي وقع بها الأسد؟ وكيف استخدم المفاهيم الدينية في خدمة مصلحته السياسية؟
أوضح مدير البحوث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، معن طلاع، في حديث لموقع “الحرة”، أنه “تم استخدام مصطلحات سياسية لها سياق علمي وتحولات وضعت في توظيفات سياسية، لخدمة المجتمع الديني الذي دعمه، وإقناع المشايخ بأنّ ما فعله كان عملاً وطنيّاً”.
وعن ما تضمن خطاب الأسد من مغالطات وأخطاء علمية في المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في غير مكانها، فيمكن إيجازها بالتالي.
– “الليبرالية الحديثة”: عرّفها الأسد وفقاً لوكالة “سانا” الموالية له أنّها “بدأت تتطور منذ حوالي الخمسة عقود، وهي كالسرطان، الهدف منها ضرب إنسانية الإنسان وهي تتناقض مع الدين، لأن الأديان أنزلت من أجل تكريس الإنسانية فتأتي الليبرالية تفصل الإنسان عن إنسانيته”.
ورأى الباحث أنّ في كلام رئيس النظام عن الليبرالية الحديثة تم التركيز على “تخيلات وتصورات محددة تجاه قضايا تثير لغطا عند المجمع الديني أو حتى عند الشخصيات المحافظة، وهو إمعان منه في تطبيق الحكم المركزي الذي يمنع الطروحات الليبرالية الجديدة المتمثلة بالحرية وبحرية الأسواق، والعلاقة بين الفرد والجماعة.
– “الإخونجية”: واعتمد الأسد على آية قرآنية مفادها “إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة “، مضيفاً أنّ سوريا تخلصت من جماعة الإخوان المسلمون الذين حاربوها.
وعلّق الباحث طلاع على أنّ رئيس النظام حاول توجيه التهم السياسية لكل من عارضه عبر جعل هذا المصطلح ذو صبغة مهنية، بمعنى أنهم يمتهنون الإخونجية، وهذا يدل على سياق فهم يربطه بقانون 49 الذي جرّم حركة الإخوان بوضع المنتسبين لها تحت عقوبة الاعدام، ما يعني أنّ التيارات المعارضة له يمكن إعدامها.
– “كل من خرج من المسجد وقال الله أكبر كان ملحداً”: بهذه العبارة وصف الأسد بعض الأشخاص الذين خرجوا عام 2011 للمطالبة برحيله، الأمر الذي اعتبره طلاع محاولة لـ”وضع كل معارض في خانة التطرف وأنّ الأسد حاول دغدغة مشاعر الموجدين أمامه من المجتمع الديني، للتأكيد أنّ من استخدم الدين لمعارضته هم فتنة”.
– “تموضع العقيدة”: ركّز الأسد في خطابه على هذا المصطلح الذي تكرر، وهو يعني برأي الباحث أنّ الأساس هو أن القيم العقائدية هي المسؤولة عن المجتمع وليس الدولة، وهذا يعطي بعداً لفهم أن هناك أساسيات يجب أن تبنى على أساس حرية العمل المدني وحرية عمل الجمعيات، إلا أنّ الأسد ذهب إلى الحديث عن أنّ العقيدة مركزية للدولة.
وهو يحاول من هذه العبارة عقد صفقة مع المجتمع الديني تضمن بقاء حكم حزب البعث وإلغاء التعددية، بحسب طلاع.
– “التفسير الجامع”: هو تفسير ديني عمل عليه مجموعة من الفقهاء السوريين، ودعا إليه الأسد في خطابه الأخير. وأكّد طلاع أنّ الأمر ليس فقط ذلك، إذ أنّه يتم العمل على منهج تعليمي عن تاريخ سوريا الحديثة لتغيب الأحداث التي حصلت، وهو أيضاً يدعم المؤسسة الدينية بوضع تفسير يخدم فكرة الولاء للسلطان.