
أميركا وإسرائيل
دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل مرحلة وُصفت بأنها من الأكثر حساسية منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في ظل مؤشرات متزايدة على أن إسرائيل لم تعد تحظى بالمكانة الاستثنائية التي اعتادت عليها في السياسة الخارجية الأميركية.
ويرى مسؤولون أميركيون وإسرائيليون، بحسب تقرير لموقع “بوليتيكو”، أن نائب الرئيس جي دي فانس لا يمثل سبب الأزمة، بل يعكس تحولًا أوسع داخل إدارة ترامب، حيث لم تعد إسرائيل تُعامل كاستثناء دائم من سياسة “أميركا أولًا”.
وجاءت تصريحات فانس الأخيرة لتجسد هذا التحول، عندما قال إن إسرائيل لم يعد لديها تقريبًا أصدقاء في العالم، داعيًا قادتها إلى التفكير جيدًا قبل الدخول في مواجهة مع “الحليف القوي الوحيد المتبقي”، في إشارة إلى الولايات المتحدة.
وأضاف خلال مؤتمر صحفي: “دونالد جيه ترامب هو الرئيس الوحيد في العالم الذي يتعاطف مع إسرائيل في هذه اللحظة”، محذرًا القادة الإسرائيليين بقوله: “لو كنت في الحكومة الإسرائيلية، لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي لك في العالم”، ومؤكدًا أن من يعتقد أن أكبر مشكلة لإسرائيل هي الرئيس الأميركي “عليه أن يستيقظ ويدرك واقع بلاده”.
وفي المقابل، نقل التقرير عن سبعة مصادر، بينهم مسؤولون ومطلعون على العلاقات الثنائية، أن فانس ليس سوى انعكاس لواقع جديد داخل الإدارة الأميركية، حيث باتت إسرائيل حليفًا مهمًا لكنها لم تعد تتصدر تلقائيًا أولويات السياسة الخارجية الأميركية.
وقال مستشار سياسي إسرائيلي إن تل أبيب كانت تعتقد أن سياسة “أميركا أولًا” ستتضمن استثناءً خاصًا لإسرائيل، لكنه أقر بأن هذا التصور لم يكن واقعيًا، مضيفًا: “لم يكن ممكنًا أن تبقى إسرائيل استثناءً لكل ما تقوم به الولايات المتحدة، وعندما وقع التصادم كانت إسرائيل ساذجة في الاعتقاد بأنها ستكون معفاة من هذه التوقعات”.
ويشير التقرير إلى فتور واضح في التواصل بين الجانبين خلال الأشهر الأخيرة، إذ زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واشنطن خمس مرات خلال عام 2025، لكنه اكتفى بزيارة واحدة هذا العام، دون تحديد مواعيد جديدة للبيت الأبيض، مع تراجع ملحوظ في الاتصالات الهاتفية بين القيادتين.
وقال أحد المطلعين: “لا أعتقد أننا وصلنا إلى أسوأ مرحلة… ما زال هناك المزيد”.
ورغم ذلك، أكد البيت الأبيض أن العلاقات مع إسرائيل لا تزال متينة، حيث قالت المتحدثة أوليفيا ويلز إن الرئيس ونائبه على الموقف نفسه، مضيفة أن إسرائيل “كانت دائمًا حليفًا كبيرًا للولايات المتحدة”، وأن ترامب “لم يكن هناك صديق أكبر لإسرائيل أو داعم للسلام أكثر منه”، مشيرة إلى أن القوات الإسرائيلية كانت شريكًا رئيسيًا في عملية “الغضب الملحمي” التي قالت إنها دمرت القدرات العسكرية الإيرانية خلال 38 يومًا.
وبحسب التقرير، فإن مواقف فانس لا تعد جديدة، إذ سبق أن أكد قبل توليه منصب نائب الرئيس أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل لا تتطابق دائمًا، وأن واشنطن لا ينبغي أن تُجر إلى حرب مع إيران من أجل إسرائيل، قائلاً في 2024: “من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، لكن مصلحة أمريكا قد تكون مختلفة، وأساس مصلحتنا هو عدم الدخول في حرب مع إيران”.
ويضيف التقرير أن إسرائيل فضلت لسنوات التعامل المباشر مع ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، باعتبار أن مواقف فانس يمكن تجاوزها، إلا أن دوره المتزايد في المفاوضات مع إيران كشف عن نفوذ أكبر داخل الإدارة.
كما يشير إلى أن التفاهمات الأميركية–الإيرانية تخدم أهداف إدارة ترامب في خفض أسعار النفط وإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، لكنها لا تعالج المخاوف الإسرائيلية المتعلقة بالصواريخ الباليستية ومستقبل النظام الإيراني.
وفي الوقت نفسه، أصبحت لهجة ترامب تجاه نتنياهو أكثر حدة، إذ وصفه في وقت سابق من الشهر بأنه “مجنون” بسبب اعتراضه على خطوات إسرائيلية في لبنان اعتبرتها واشنطن مهددة للمفاوضات مع إيران.
وقال الباحث ناتان ساكس من معهد الشرق الأوسط في واشنطن إن القيادة الإسرائيلية تدرك وجود خلاف مع واشنطن، لكنها لا تستوعب حجم التحول الجاري، مضيفًا: “هناك قلق عميق في القيادة، لكنهم يقللون من خطورة المرحلة”.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة باتت ترى الاتفاق مع إيران مصلحة مباشرة لها، بينما تعتبر إسرائيل أن ملفي لبنان وإيران يشكلان تهديدًا وجوديًا لا يمكن تأجيله.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى احتمال اتساع الفجوة بين الطرفين خلال الأشهر المقبلة مع اقتراب الانتخابات في البلدين، حيث كان نتنياهو يعول على دعم كامل من ترامب قبل الانتخابات الإسرائيلية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، وفق أحد المطلعين الذي قال: “نتنياهو كان يراهن على دعم كامل من ترامب، وهذا لم يحدث”.