
معاناة مستمرة للاجئين السوريين
تزداد معاناة اللاجئين في المخيمات شمال سوريا، حيث بدأت آلاف العائلات في المخيمات “رحلة نزوح من نوع آخر” بعدما غمرت مياه الأمطار الخيام المهترئة التي يعيشون فيها، في مشهدٍ ترتسم تفاصيله من “كارثة كل عام” والتي تحل مع بداية فصل الشتاء.
عبد السلام الخضر رب إحدى العائلات في مخيم “أم جرن” التابع لمدينة سرمدا بمدينة إدلب السورية ينقل منذ أربعة أيام أطفاله الذين لا تتجاوز أعمارهم 12 عاما من خيمة إلى أخرى، في مسعى لإبعادهم عن المياه التي تحاصر المنطقة من كل جانب.
ويقول الخضر لموقع “الحرة”: “لا نعرف إلى أين نذهب. نحاول قدر الإمكان إمضاء ليلتنا تحت سقف لا تنهمر عبره الأمطار. الوضع مأساوي ولا يمكن أن يتخيله البشر”.
وحالة الخضر هي واحدة من آلاف الحالات التي وصفتها منظمات إنسانية بـ”المنكوبة”، بعد أن فقدت مسكنها الوحيد وهو الخيمة، بفعل السيول والفيضانات التي تشكلت على مدار اليومين الماضيين، وأسفرت عن غرق مئات المخيمات العشوائية والمنظمة في شمال سوريا وغربها.
وبحسب مدير مخيم “دوف 2” في ريف إدلب الشمالي، يحيى السلوم فإن “الكارثة حلّت على الجميع، سواء الذين يعيشون في الخيام بشكل كامل، أو أولئك الموجودين بين جدران إسمنتية وتحت سقف قماشي”.
ويوضح السلوم لـ”الحرة”: “شوارع المخيمات امتلأت جميعها بمياه الأمطار. المياه تجري من كل الجهات، بينما يعمل الشبان على حلول مؤقتة، بهدف فتح طرق لعبور المياه بعيدا عن الخيام القماشية”.
“250 عائلة مغمورة”
ويبلغ أعداد النازحين السوريين في الشمال السوري نحو 2.1 مليون نازح، من أصل أكثر من 4 ملايين سوري يسكنون مناطق سيطرة المعارضة السورية.
في حين يبلغ عدد سكان المخيمات مليونا و43 ألفا و869 نازحا، يعيشون ضمن 1293 مخيما، من بينها 282 مخيما عشوائيا أقيمت في أراض زراعية، ولا تحصل على أي دعم أو مساعدة إنسانية أممية.
عبد القادر جندل يقيم في مخيم يقع بالقرب من الحدود مع تركيا، ويتحدث لموقع “الحرة” عما وصفها بـ”الأوضاع المأساوية لمئات العائلات”.

ويقول جندل الذي يعمل مع فريق من الشبان على إبعاد مجرى المياه عن الخيام: “الفيضانات غمرت مئات الخيام، وهناك 250 عائلة مغمورة بالمياه في مخيم أم جرن وحده”.
ويضيف النازح السوري: “ننقل الأطفال من مكان إلى مكان، وحتى الآن لم تستجب إلينا أي منظمة إنسانية”.
من جهته يشير “الدفاع المدني السوري” إلى “أضرار كبيرة” ضربت المخيمات، منذ مساء الأحد، وقال عبر حسابه الرسمي في “تويتر”: “هذه المخيمات تؤوي أكثر من 1.5 مليون مهجر”.
لماذا تتكرر الكارثة؟
وتزداد المخاوف والتحذيرات الإنسانية الدولية في كل عام، بالوقع المأساوي ذاته الذي تتعرض له المخيمات في أثناء الهطولات المطرية الغزيرة، إلا أنها تعجز عن احتواء أزمة باتت لزاما على النازحين في الجزء الشمالي من سوريا، بعد عشر سنوات، في ظل ضعف التمويل الدولي المخصص للملف السوري.
ويوضح المسؤول الإعلامي في “الدفاع المدني”، فراس خليفة، أن سبب تجدد الكارثة في كل عام يعود إلى انتشار المخيمات العشوائية، بعد العمليات العسكرية الأخيرة التي استهدفت ريف إدلب الجنوبي.
ويقول خليفة لموقع “الحرة”: “هذه المخيمات يبلغ عددها 400 مخيم، وتنتشر في عدة مناطق بريف محافظة إدلب. هي تفتقد لأي بنية تحتية أو مجاري لتصريف المياه، إضافة إلى كونها مؤسسة على تربة حمراء هشة”.
ووفق خليفة فإن الاستجابة التي بدأتها المنظمات الإنسانية بينها “الدفاع المدني” هي “استجابة طارئة”، مستبعدا أن تؤدي إلى إنهاء الكارثة، والتي تحتاج إلى تجهيزات مسبقة من أشهر الصيف.
“نزوح داخلي”
في غضون ذلك يقول محمد حلاج مدير فريق “منسقو الاستجابة في الشمال السوري” إن أعداد المخيمات المتضررة نتيجة الهطولات المطرية ارتفعت منذ مساء الأحد إلى 104 مخيما، بينما انقطعت العديد من الطرقات المؤدية إليها.
ويضيف حلاج لموقع “الحرة”: “بلغ عدد العائلات المتضررة بشكل مباشر 1.842 عائلة، في حين بلغ عدد العائلات المتضررة من الهطولات المطرية كامل 3.742 عائلة”.
وسجل الفريق الإنساني المذكور حركة “نزوح داخلية” ضمن المخيمات، لأكثر من 472 عائلة، نتيجة تضرر خيامهم بشكل مباشر أو دخول مياه الأمطار إلى داخل الخيم.
ومن المتوقع زيادة الأضرار بشكل أكبر، بحسب حلاج “في حال استمرار الهطولات المطرية أو تجددها في المنطقة، إضافة إلى مخاوف من حدوث انزلاقات طينية ضمن المخيمات نتيجة تشكل مستنقعات مائية كبيرة”.
ويتابع: “المنطقة لم تشهد أية استجابة فعلية من قبل المنظمات الإنسانية بشكل يخفف من الكارثة الإنسانية ضمن مخيمات النازحين”، مشيرا إلى أن “محافظة إدلب تشهد ازديادا في الحاجة لتقديم المساعدات، مع غياب أية رؤية واضحة للتخفيف من حدة الأزمة التي تزداد يوما بعد يوم”.
وسبق وأن وصفت الأمم المتحدة مؤخرا واقع الشمال السوري بأنه “أكبر كارثة في القرن الـ21″، محذرة من استمرار عمليات القصف من جانب قوات النظام السوري، والتي قد تجبر مئات النازحين الجدد إلى ترك منازلهم.
بينما تدفع هذه العمليات آخرين إلى التوجه للعيش في المخيمات الحدودية، والتي تعتبر أكثر أمانا قياسا بالمناطق الواقعة في الريفين الجنوبي والشرقي، “لكن من يقطنها يواجه في الوقت الحالي التشرد من جهة، والموت من البرد أحيانا”.