
النفط مقابل الدولار
شهدت أسعار النفط ارتفاعات قياسية منذ بدء روسيا غزوها لأوكرانيا وتهديدها لدول أخرى في شرق أوروبا، وتزامن ذلك مع العقوبات الاقتصادية الحازمة التي فرضتها الدول الأوروبية والولايات المتحدة على موسكو.
وقد ارتفع سعر برميل خام برنت المرجعي عند الإقفال أمس الجمعة، ليسجل 118,11 دولارا، في أعلى مستوى له منذ أغسطس 2008 بسبب التوقف العملي للصادرات الروسية. وتتوقع بنوك عالمية منها غولدمان ساكس وصول سعر النفط إلى 150 دولارا في حال طالت الأزمة.
ما هي التداعيات المتوقّعة على الغرب من هذه الأزمة؟
وفقاً لما نشر موقع “فوربس الشرق الأوسط”، فقد عملت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي على فرض عقوبات اقتصادية موجعة ضد روسيا، تتمثل في تجميد أصول لشخصيات سياسية ورجال اعمال، ومنع تداول السندات الروسية وأسهم الشركات التي تتخذ من موسكو مقرا لها.
تسببت هذه القرارات وحالة عدم اليقين في نزول قيمة الروبل الروسي بنسبة 30% ليسجّل الثلاثاء 110 روبل للدولار وهو أدنى مستوى للعملة الروسيّة على الإطلاق، وهذا ما استدعى رفع البنك المركزي الروسي معدّل الفائدة إلى 20% للسيطرة على التضخم الذي ينتج عن تراجع قيمة العملة بصفة مفاجئة.
تركت أزمة كورونا الاقتصاد العالمي متصدعا من الصدمة التي أدت الى تضخّم وارتفاع كبير في الأسعار، وتوتّر في الأسواق المالية مع حالة عدم اليقين التي تواجه الاسواق بعد تردد البنوك المركزية في اتخاذ التدابير اللازمة للسيطرة على التضخم الذي اعتبر “مؤقتا”.
لا شك أنّ تفاقم التضخم الذي يلوح في الافق بعد ارتفاع أسعار المحروقات إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من 10 سنوات، سيؤثر على القدرة الشرائية للفرد الذي أصبح ينفق بشكل أكبر على الوقود للتنقل والتدفئة.
و أحدثت الحرب حالة من عدم اليقين في السوق مما يهدد بتراجع التمويل الاستثماري ويؤثر بصفة كبيرة على التوظيف، ويهدّد بتباطؤ النمو.
يتوقّع أن تزيد الحرب الروسيّة – الأوكرانيّة من حالة عدم اليقين لدى البنوك المركزية التي تنوي البدء في خفض عمليات التيسير الكمي تدريجيا، ورفع معدلات الفائدة لمواجهة التضخم التاريخي التي شهدته منطقة اليورو والولايات المتحدة الأميركية.
من ناحية أخرى، يمكن أن تتعمق الأزمة في حال انتشار نطاق المعارك العسكريّة، ويأتي قطاع الطيران في طليعة المتأثرين سلبًا من الحرب إذا طالت، علمًا أنّ السياحة والسفر ما زالت تعاني من خسائر فادحة بسبب تداعيات كوفيد-19.
أدّى الغزو الروسي منذ يومه الأوّل إلى صعود أسعار النفط، وهذا بدوره سيعمق العجز في ميزانيات الدول المستهلكة للبترول.
ومع اتساع دائرة العقوبات الغربيّة، تلوّح موسكو بقطع امدادات الغاز عن الاتحاد الأوروبي، في خطوة قد ينتج عنها صعود قياسي لأسعار الغاز الطبيعي، الذي يعتبر أحد شرايين الدفء والنمو في أوروبا الغربية.
لا تتوقف انعكاسات ارتفاع أسعار النفط على تأثيراتها المباشرة على كلفة التنقل والتدفئة، فهي تطال جميع القطاعات تقريبا، حيث ستزداد تكلفة نقل البضائع برًا وبحرًا وجوًا، ويدفع الاستهلاك العالمي إلى التباطؤ بشكل كبير، ما قد يدفع الاقتصاد العالمي للدخول في موجة تباطؤ النمو وارتفاع التضخم Stagflation.
من المخاطر الاخرى التي تشكل خطرًا حقيقيًا على الاقتصاد العالمي، قطع روسيا كليا من شبكة Swift لتحويل الأموال عبر المصارف، ما سيعرض الدائنين للسندات الروسية للانكشاف الكلي على الديون الروسية في الأسواق المالية العالمية، فتصبح موسكو عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المستثمرين.
علاوة على ذلك، يتوقّع أن يؤدي شح السيولة النقدية في روسيا إلى تعميق الازمة الاقتصادية في البلاد.
وفرضت موسكو بالفعل قيودا على اخراج العملات الاجنبية من البلاد، بحيث لا تتجاوز التحويلات 10 آلاف دولار أميركي أو ما يعادلها من العملات الأخرى، للحفاض على التوازن المالي الداخلي ومنع هروب الودائع.
وتشير التوقعات إلى إمكان توسّع موسكو في فوض قيود على سحب الأموال.
أيضا من المتوقّع أن تسير إدارة بوتين قدما في مشروع التخلي عن الدولار الاميركي ” de-dollarisation ” والتوجه الى عملات بديلة منها العملات المشفّرة أو المقايضة بالذهب إذا تمّ قطعها كليّا عن شبكة سويفت الدولية، وهذا قد يؤدي بدوره إلى اضطرابات في أسوق العملات والنفط الذي يسعّر بالدولار منذ سبعينيات القرن الماضي.
ويرتبط أمن الطاقة الأوروبي بشكل كبير بروسيا، وقد أظهرت دراسة قام بها الاتحاد الاوروبي أنّ ارتفاع سعر الغاز الطبيعي بنسبة 10%، سيؤدي إلى تراجع الناتج المحلّي الإجمالي في منطقة اليورو بنسبة 0,7%، ما يعني أنّ مخاطر تراجع النمو ستصل إلى 3% مع ارتفاع الغاز بأكثر من 40% كما تظهر أحدث المؤشرات.
أوروباالولايات المتحدةأسعار النفط