الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

كواليس القرار الأمريكي.. لماذا وافق ترامب على الهجوم الإسرائيلي رغم خطاباته السلمية؟

منذ ما يقرب من شهر ومن على منصة منتدى استثماري في السعودية وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرا إلى إيران أثبتت الأحداث اللاحقة أنه لم يكن مجرد وعيد أجوف أو تهديد عابر.

وقال ترامب في ذلك الوقت موجها رسالة إلى القيادة في طهران “لن نسمح أبدا بتهديد أمريكا وحلفائها بالإرهاب أو بهجوم نووي”.

وأضاف “حان الوقت لكي يختاروا. الآن. ليس لدينا الكثير من الوقت للانتظار. الأمور تتطور بوتيرة سريعة جدا”.

ولم يحظ التحذير الذي وجهه في 13 أيار مايو باهتمام كبير في ذلك الوقت.

لكن، خلف الكواليس ، قال مسؤولون أمريكيون إن الرئيس كان يعلم بالفعل أن الهجوم على إيران قد يكون وشيكا، وأنه قد لا يكون هناك الكثير الذي يمكن فعله للحيلولة دون وقوعه.

وقال المسؤولان إنه بحلول منتصف مايو أيار كانت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) قد بدأت في وضع خطط طوارئ مفصلة لمساعدة إسرائيل إذا مضت قدما لتحقيق طموحها القديم بضرب البرنامج النووي الإيراني.

وقال مصدر غربي ومصدر أوكراني إن الولايات المتحدة أرسلت بالفعل آلافا من قطع الأسلحة الدفاعية من أوكرانيا التي مزقتها الحرب إلى الشرق الأوسط استعدادا لصراع محتمل.

وأحجم البنتاجون عن التعليق على هذا الأمر.

ويستند هذا التقرير الذي يتناول الأسابيع والأيام التي سبقت قرار ترامب دعم حملة الغارات الإسرائيلية إلى مقابلات مع أكثر من عشرة مسؤولين في الإدارة ودبلوماسيين أجانب ومقربين من ترامب، طلب معظمهم عدم ذكر أسمائهم ليتسنى لهم الحديث حول الأمور غير المعلنة.

وخلص التقرير إلى أنه خلال عملية التحضير الطويلة والسرية والرئيس الذي وجد نفسه ممزقا بين الدبلوماسية ودعم العمل العسكري، اقتنع ترامب في النهاية جزئيا بدعم حليف لم يكن يتحكم تماما بأفعاله.

وفي حين وصف ترامب نفسه منذ فترة طويلة بأنه صانع سلام وأرسل مبعوثه إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف إلى المنطقة عدة مرات في محاولة للتوصل إلى اتفاق دبلوماسي، إلا أن العديد من الحلفاء السياسيين الموثوق بهم دفعوه لدعم هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية.

ووفقا لمسؤولين أمريكيين اثنين، أشارت الاستخبارات الأمريكية إلى أن الضربة الإسرائيلية أحادية الجانب كانت ممكنة، بل ومرجحة، حتى لو أراد ترامب الانتظار.

وفي حين أنه من غير الواضح ما إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أم حلفاء ترامب الأكثر تشددا هم الذين أقنعوه بدعم خطط إسرائيل، إلا أنه على الأقل، وفقا لمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى ومصدر إسرائيلي كبير، لم يكن معارضا في الأيام التي سبقت الهجوم.

وقال أشخاص مطلعون تفاعلات الأوضاع وسير الأمور إن هذا الموقف ساعد في دفع إسرائيل إلى التحرك.

وبعد سبعة أيام من الصراع الإسرائيلي الإيراني، يجد ترامب نفسه أمام معضلة، وفقا لما يقوله آرون ديفيد ميلر الدبلوماسي المخضرم الذي قدم استشارات لستة وزراء خارجية حول سياسات الشرق الأوسط.

وتتمثل المعضلة في إنه إما أن يحاول مجددا التوصل إلى حل دبلوماسي مع إيران أو أن يسمح لإيران وإسرائيل “بالصراع حتى النهاية” أو أن يدخل الحرب بضربات جوية أمريكية على منشأة فوردو للتخصيب المدفونة في جبل، وهي خطوة ستكون لها عواقب مجهولة على المنطقة.

وقال ميلر، الذي يشغل حاليا منصب الزميل البارز في معهد كارنيجي لسياسات السلام الدولي، إن ترامب “سمح بحدوث (الهجوم الإسرائيلي). لقد دخل المغامرة ويخوض غمارها الآن”.

ولم يرد البيت الأبيض ومكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي والبعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة على طلبات للتعليق. وقالت طهران مرارا إن برنامجها النووي مصمم للأغراض السلمية فقط، وهو ما رفضته واشنطن.

* العاصفة المقبلة

جاءت أولى التلميحات إلى أن ترامب قد يوافق على حملة القصف الإسرائيلي في أبريل نيسان.

فخلال اجتماع مغلق في 17 أبريل نيسان، وجّه وزير الدفاع السعودي رسالة صريحة إلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ومفادها أن يأخذ بزشكيان عرض ترامب للتفاوض على اتفاق على محمل الجد لأنه يمثل وسيلة لتجنب خطر الحرب مع إسرائيل.

ولم يتسن لرويترز تحديد ما إذا كانت الرسالة أُرسلت بناء على طلب واشنطن أو ما إذا كان القادة الإيرانيون أخذوا تلك الرسالة على محمل الجد.

ونظرة على الأحداث تشي بأنه كان ينبغي لهم أن يأخذوها على محمل الجد.

وقال مسؤول أمريكي ومسؤول إسرائيلي كبير إن الجيش الإسرائيلي ومايكل (إريك) كوريلا قائد القيادة المركزية الأمريكية كانا يناقشان معلومات مخابراتية مفصلة حول مخزون الصواريخ الإيرانية وبرنامجها النووي والخطوات التي قد تكون مطلوبة للدفاع عن القوات الأمريكية وإسرائيل نفسها في أي صراع مع إيران.

وفي الوقت نفسه، ترسل الولايات المتحدة إلى إسرائيل أسلحة قد تكون مفيدة في الحرب الجوية مع إيران. وذكر المصدران الغربي والأوكراني أنه في إحدى المرات في أوائل شهر مايو أيار تم تحويل شحنة كبيرة من الصواريخ الدفاعية إلى إسرائيل بدلا من أوكرانيا التي كانت مخصصة لها في الأصل.

وقال المصدر الأوكراني إن الشحنة التي تم تحويلها تسببت في حالة من الذعر في كييف وأثارت مخاوف مستمرة من استخدام أسلحة إضافية لازمة للدفاع أمام موسكو وتحويلها بدلا من ذلك للدفاع عن مصالح أمريكية في أماكن أخرى.

وتقول مصادر إن إسرائيل اقترحت بالفعل على واشنطن سلسلة من الخيارات لمهاجمة المنشآت الإيرانية في الأشهر الأولى من ولاية ترامب.

ومع رفض ترامب تلك الأفكار، قائلا إنه يفضل الدبلوماسية في الوقت الراهن، قال العديد من المقربين منه إنه لم يكن أبدا رافضا لاستخدام القوة العسكرية ضد إيران.

وفعل ترامب ذلك من قبل. ففي 2020، وعلى الرغم من سياسته الخارجية خلال ولايته الأولى التي اتسمت بضبط النفس، أمر ترامب بشن غارة بطائرات مسيرة أسفرت عن مقتل الميجر جنرال قاسم سليماني قائد قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

ويقول الادعاء العام الأمريكي إن الحكومة الإيرانية تسعى منذ ذلك الحين إلى قتل ترامب انتقاما منه، وهو ما تنفيه طهران.

وخلف الكواليس، كان ترامب في حيرة بشأن القضية الإيرانية منذ ما قبل توليه منصبه.

من ناحية، يرى العديد من المؤيدين، بمن فيهم الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، ومسؤولون في الإدارة الأمريكية أن حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” التي أطلقها ترامب هي علاج عقود من الحروب الخارجية التي حصدت آلاف الأرواح الأمريكية دون أن تحقق تقدما كبيرا على صعيد المصالح.

ومن ناحية أخرى، كان العديد من حلفاء ترامب المقربين، من المعلق المحافظ مارك ليفين إلى السناتور الجمهوري لينزي جراهام، يصورون إيران النووية على أنها تهديد وجودي يجب التخلص منه بأي ثمن.

وكان ترامب نفسه يفخر بأنه وسيط سلام.

وقال في خطاب تنصيبه “سيكون إرثي الأكثر مدعاة للفخر.. هو أنني صانع سلام ومشجع على الوحدة”.

* موقف حرج

في نهاية المطاف، لم يحدد أي مسؤولين أمريكيين أو مقربين من ترامب أو دبلوماسيين تحدثت معهم رويترز عن اللحظة التي صنعت الفارق وكانت السبب في موقف الرئيس الأمريكي.

قال أحد كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية إن الضغط من الإسرائيليين ومناشدات الحلفاء أصحاب المواقف المتشددة أنهكت ترامب على الأرجح بعد أشهر من التردد بسبب عدم إحراز تقدم دبلوماسي.

وأشار مساعدو ترامب وحلفاؤه إلى أن الهجوم الإسرائيلي جاء بعد انتهاء مهلة 60 يوما حددتها إدارة ترامب لتحقيق انفراجة دبلوماسية مع إيران.

وقال المسؤول الأمريكي الكبير إن هناك آلية أخرى لها دور، ففي حين أظهرت المخابرات الأمريكية على الدوام أن إسرائيل قد تمضي قدما في الهجوم بدعم من الولايات المتحدة أو من دونه، إلا أن الإدارة الأمريكية قد تبدو كأنها أخذت على غرة إذا لم تدعم الهجوم. والأسوأ من ذلك، قد يبدو الأمر وكأن الولايات المتحدة تعارض حليفا قديما.

وقال مسؤول آخر إن إسرائيل فهمت في الخفاء أن واشنطن ستقف إلى جانبها على الرغم من أن ترامب بدا للبعض وكأنه يزدري نتنياهو وهو يدفع باتجاه حل سلمي للأزمة.

وذكر مسؤولان أمريكي وإسرائيلي أنه بحلول الوقت الذي تحدث فيه ترامب مع نتنياهو يوم الاثنين التاسع من يونيو حزيران كان موقف ترامب الموافقة الضمنية، إن لم تكن الموافقة الصريحة. وكان ذلك أحد الاتصالات الهاتفية العديدة في الأيام القليلة الماضية.

وذكرت صحيفة (وول ستريت جورنال) أن ترامب قال إنه يرغب في مزيد من الوقت لرؤية أثر الدبلوماسية، لكن المسؤول الأمريكي قال إن الرئيس الأمريكي لم يعترض صراحة على خطط إسرائيل.

وبحلول يوم الأربعاء، 11 يونيو حزيران، اتضح لواشنطن أن خطط إسرائيل عملية.

وفي ذلك اليوم، ذكرت رويترز أن الولايات المتحدة تستعد لإخلاء جزئي لسفارتها في العراق وسط مخاوف من رد إيران بعد هجوم وشيك.

وفي اليوم التالي، 12 يونيو حزيران، أرسلت واشنطن مذكرة دبلوماسية رسمية إلى العديد من الحلفاء الإقليميين تحذرهم من اقتراب وقوع الهجوم.

وفي ذلك المساء، شنت إسرائيل هجومها الليلي الذي تصاعد على الفور تقريبا ليتحول إلى حرب جوية.

شاهد ترامب وبعض أعضاء الحكومة الرئيسيين الأحداث مباشرة من قاعة جون كنيدي، وهي جزء من غرفة العمليات في البيت الأبيض. وشاهد مسؤولون آخرون الأحداث في مكان قريب.

وقال أحد المسؤولين إن قائمة الطعام تضمنت السلطعون (سرطان البحر) من مطعم محلي.

وبدا أن الهجوم الأول كان ناجحا، إذ قُتل العديد من المستشارين المقربين من الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وتضررت مواقع نووية رئيسية بنحو خطير. وذكر مسؤولان أمريكيان أن الإسرائيليين فكروا خلال مطلع الأسبوع في قتل خامنئي نفسه، لكن ترامب لوّح لهم بالعدول عن ذلك.

وعلى الفور تقريبا، اندلعت حرب أهلية سياسية في حزب ترامب الجمهوري، إذ اتهم العديد من المحافظين البارزين، بمن فيهم أعضاء في الكونجرس، إدارته بإشعال فتيل الحرب.

وقال مصدر مطلع على تقارير المخابرات الأمريكية إن دوائر المخابرات الأمريكية بعد مرور سبعة أيام تعتقد أن الهجمات عطّلت طموحات إيران النووية لأشهر فقط، وهو ما يتطابق مع تقرير لشبكة (سي.إن.إن).

ويقول معظم المحللين إن توجيه هجوم قوي لطموحات إيران النووية سيتطلب إسقاط قنابل خارقة للتحصينات على محطة فوردو لتخصيب الوقود، درة تاج البرنامج النووي الإيراني. والولايات المتحدة وحدها هي التي تملك هذه القدرة.

وقال ترامب إنه يفكر في مثل هذا الهجوم الذي سيمثل تصعيدا كبيرا للولايات المتحدة.

ولا تزال نية ترامب غير واضحة حتى اليوم الخميس.

    المصدر :
  • رويترز