
من مشاهد الدمار في غزة - رويترز
بين قنابل الحرب ووسط الدماء والدمار، تم دفن أحلام نحو 40 ألف طالب في المدارس الثانوية بسبب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والدمار الكبير الذي حل بالمدارس والجامعات والمستشفيات التي عمد من خلالها جيش الاحتلال إلى التخريب لا أكثر.
يحلم مجد حمد (18 عاما) أن يصبح طبيبا ذات يوم، لكن الحرب في غزة طمرت كتبه المدرسية تحت الأنقاض وسط القصف الإسرائيلي المتواصل وأجبرته، مع آلاف الشباب الفلسطينيين الآخرين، على عدم أداء الامتحانات النهائية في المدرسة الثانوية.
وأصبح حمد وعائلته يعيشون الآن في غرفة دراسية في مدرسة خصصت كملجأ بعد أن أجبروا في وقت مبكر من الحرب على الفرار من منزلهم في بيت حانون في شمال قطاع غزة والانتقال إلى خان يونس في الجنوب.
وقال حمد “والله الواحد زعلان ان السنة راحت ع الواحد.لأن الفصل اللي أنا قاعد فيه وعايش فيه حاليا كنت بأقدم للامتحانات فيه واتمنى أني أجيب (أحصل على) معدل عالي واتخرج في الفصل هذا وأصير طبيب، ليش (لماذا)؟ عشان أنفع فيه شعبي لأن المجتمع هذا بيحتاج دكاترة كتير عشان فيه شهداء ومشاهد من جرحى ومشاهد كتير كانت فيه، والسنة هذه كنت متوقع من امتع السنين لي، ليش؟ لأن الصف كان 11 ولأن الشباب تبعنا كانوا متنافسين في التوجيهي، مين أعلى يجيب ومين يصير دكتور ومين أعلى من الثاني في المعدلات”.
وأضاف أن الحرب “دمرت أحلام كتير من الشباب اللي كانوا يطمحوا يجيبوا الأعلى وعلى حين الحرب ما خلت فينا حيل (قوة) ولا خلت فينا نفسية ولا خلت فينا نفس نقرأ في البلد اللي احنا فيها بسبب الحرب اللي صارت”.
ويقول مسؤولون فلسطينيون إن هذه هي المرة الأولى منذ عقود التي تجرى فيها امتحانات الثانوية العامة هذا الشهر دون مشاركة الطلاب في غزة.
ويؤدي عادة نحو 40 ألف طالب في المدارس الثانوية في غزة امتحاناتهم النهائية هذا الشهر. وهناك 10 آلاف آخرين يؤدون الامتحانات في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وفي الشتات، وعادة ما يؤدي جميعهم الامتحانات في نفس الوقت.
وبدلا من ذلك، أصبحت حياة حمد وعائلته، كما هو الحال بالنسبة لمعظم سكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة، صراعا يوميا من أجل البقاء وسط الهجوم العسكري الإسرائيلي، وانتشار الجوع ونقص المواد الأساسية. ويقضي حمد أيامه في جلب مياه الشرب وتنظيف الفصل الدراسي الذي أصبح الآن منزله.
وتحدث حمد عن صعوبات المعيشة بالإضافة إلى ضياع فرصة أداء الامتحانات قائلا “السنة الدراسية راحت علينا وصعبت علينا الأمور، لجأت أني أعمل بسطة (طاولة للبيع)، أني أساعد فيها أهلي والقوت اليومي اللي أصرف على أهلي في البيت، أني اعمل غدا ونعمل عليه فطور وغدا وعشا، واشتري الاشياء اللي بدنا اياها ونحتاجها… لأنه مهما وقفت مسيرتي الدراسية فلازم نشتغل عشان القوت اليومي إلنا ونساعد فيه أهلنا”.
ومضى يقول “أنا نزحت من بيتي والكتب اللي كانت في البيت كانت كتار، يعني كان نفسي اجيب معدل عالي فالبيت انهد والكتب ضلت (ظلت) تحت الركام الآن، الحين بدي أرجع قرايتي بدي أنا أحاول في المدرسة، بقيت بدي أرجع علمي القديم اللي كنت أقرأه، مفيش (لا يوجد) لا نفسية ولا كهربا ولا انترنت حتى أدرس وأقرأ أونلاين ما ظبط معي، وضاع العام الدراسي لإلينا رغم أن ذلك زاد عليناالمتاعب اللي نشتغلها في البيت ان احنا صرنا نعبي ميه حلوة ومية مالحة وأساعد أهلي في تنضيف البيت وأساعد أمي في الطبخ وأساعد اخوتي في أشياء كثيرة”.
كتب وليس قنابل
قالت وزارة التربية والتعليم في غزة في بيان إن 450 طالبا في المدارس الثانوية قتلوا منذ اندلاع الحرب في أكتوبر تشرين الأول الماضي. وأظهرت بيانات فلسطينية أخرى أن أكثر من 350 معلما وأكاديميا لاقوا حتفهم أيضا، كما أصاب الدمار أو الضرر جميع مؤسسات التعليم العالي في غزة البالغ عددها 12 مؤسسة.
وبدأت الحرب الحالية في السابع من أكتوبر تشرين الأول حين هاجم مقاتلون من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي تدير قطاع غزة، إسرائيل، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص واحتجاز 250 رهينة، وفقا لإحصائيات إسرائيلية.
ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن الهجوم الإسرائيلي الذي أعقب ذلك أدى حتى الآن إلى مقتل أكثر من 37600 فلسطيني، وألحق الدمار بمعظم القطاع الصغير المكتظ بالسكان.
ويؤدي نحو 1090 من طلاب المدارس الثانوية في غزة امتحاناتهم في القاهرة بعد أن تمكنوا هم وعائلاتهم من العبور إلى مصر قبل أن تغلق القوات الإسرائيلية الحدود في مايو أيار.
وكُتب على لافتة رفعها أحد طلاب المدارس الثانوية في تجمع في غزة يوم السبت الماضي بالانجليزية “كتب وليس قنابل”.
وفي خان يونس، قالت نهى والدة حمد إنهم كانوا يأملون في أن تنتهي الحرب بسرعة وأن يتمكن حمد من العودة إلى دراسته.
ومضت تقول “جينا على المدرسة.. المدرسة عبارة عن صف (غرفة دراسية) قعدنا فيه، كنت اتخيل يعني أن مجد يتخرج من هذا الفصل وأنه يطلع دكتور ويتخرج ونفرح عليه… بس للأسف هذا الفصل طلع مأوى إلنا، أن نحمي نفسنا من الحرب ومن القصف، وما نشوفش حتى المناظر اللي إحنا بنشوفها ونحافظ على ولادنا من أي قصف، من أي خوف بيصير حوالينا”.
وأضافت “كل أم تتمنى ابنها يصير ويكون دكتور، يعني كنا بنحضر له من أول يوم إن مجد أدرس وصير عشان أحنا بدنا نفرح، بدنا نجيب لك مديح ديني (للاحتفال بالنجاح) ونوفر لك كل إشي اللي نفسك فيه… كنا نحضر له كل إشي… هذه الحرب دمرت كتير فينا، من أول يوم نفسنا يعني أنها تخلص بسرعة، عشان هو يرجع على مقاعد الدراسة ويرجع أنه يدرس من أول وجديد ونرجع فرحتنا بس الحرب طولت ودمرتنا وحطمتنا إمكانياتنا حتى ضعفت، وكتبه ما قدرش يجيبها ضلت تحت الركام”.