
مبنى البرلمان من الخارج في الرباط بالمغرب. رويترز
يتجه المغرب إلى إجراء انتخابات تشريعية هذا الأسبوع لاختيار 395 عضواً في مجلس النواب، وسط أجواء انتخابية هادئة نسبياً، فيما تنتقل الحملات بشكل متزايد إلى الفضاء الرقمي مقارنة بانتخابات عام 2021.
ويتنافس 27 حزباً سياسياً في الانتخابات المقررة في 23 أيلول، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية ضاغطة، بحسب محللين، تضع أمام الأحزاب تحدي تقديم حلول لقضايا البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، بالتزامن مع تراجع ثقة شريحة من الناخبين بالعمل السياسي واستمرار العزوف عن المشاركة الانتخابية.
وقال أحمد سالمي، البالغ 42 عاماً ويعمل بائعاً في أحد المحلات: «لم أصوت في حياتي ولن أصوت في هذا البلد.. هل يتذكرون حق المواطن فقط عند عملية التصويت؟».
وأضاف: «لست متشائماً، لكن لدي يقين أن صناديق الاقتراع لن تجلب التغيير والديمقراطية في بلدان ليس لها تاريخ أو أسس ديمقراطية حقيقية».
ويرى محمد الغواطي، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية في جامعة محمد الخامس بالرباط، أن الانتخابات قد تستجيب لجزء من تطلعات المواطنين، لكنها «لا تستطيع بمفردها حل جميع الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة».
وقال الغواطي لـ«رويترز» إن صناديق الاقتراع تنتج مجالس منتخبة وتمنح تفويضاً سياسياً، لكن تحويل هذا التفويض إلى نتائج ملموسة يتطلب سياسات عامة فعالة وموارد مالية وحوكمة جيدة.
وأضاف أن التحدي أمام انتخابات 2026 «لا يتمثل فقط في تشكيل أغلبية حكومية، بل في إعادة بناء علاقة الثقة بين المواطن والمؤسسات عبر نتائج قابلة للقياس».
وتبقى مسألة الثقة موضع تساؤل في ظل استمرار ضعف المشاركة الانتخابية. وأشار تقرير أصدره المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة في حزيران إلى تراجع الإقبال على التصويت، موضحاً أن نسبة المشاركة الرسمية في انتخابات 2021 بلغت 50.35% من الناخبين المسجلين، فيما بقيت شريحة واسعة من المواطنين المؤهلين للتصويت خارج العملية الانتخابية.
وقال الغواطي إن القضية لا تتعلق فقط بالعزوف عن التصويت، بل تطرح أسئلة أعمق حول علاقة المواطنين بالأحزاب والمؤسسات المنتخبة وجدوى المشاركة السياسية.
وأضاف أن الرسالة التي ينبغي أن تلتقطها الأحزاب «ليست فقط كيف نقنع المواطن بالتصويت، بل أيضاً لماذا فقد جزء من المواطنين الرغبة في المشاركة، وما ينبغي تغييره لاستعادة هذه الثقة؟».
ويقول الباحث في العلوم السياسية محمد شهبي إن تقرير المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية يكشف أن «الفائز الحقيقي في الانتخابات المغربية ليس حزباً ولا أيديولوجية، بل الصمت»، مشيراً إلى أن «16 مليون مغربي ومغربية قرروا ألا يشاركوا في اللعبة الديمقراطية».
ويرى شهبي أن التغير الكبير في نتائج الأحزاب بين دورة انتخابية وأخرى، ومن بينها تراجع حزب العدالة والتنمية من 125 مقعداً في عام 2016 إلى 13 مقعداً في انتخابات 2021، «يعكس نزعة للتصويت العقابي أكثر من كونه تأييداً لبرامج سياسية مستقرة».
وأضاف أن الناخبين «لم يعودوا يصوتون من أجل مشروع سياسي بقدر ما يصوتون ضد الحزب الحاكم»، معتبراً أن ذلك يساهم في زيادة العزوف عن المشاركة.
ويرى شهبي أنه لا يمكن الحديث عن السياسة في المغرب من دون التطرق إلى الاقتصاد والتحديات المرتبطة به.
وقال: «جيل كامل يكافح من أجل إيجاد مكانه، يرى المصعد الاجتماعي معطلاً، ويتساءل عن جدوى الدراسة إذا كانت النهاية هي البطالة».
وأضاف أن هذا الجيل «لا يهتم بالسياسة، فحين تقضي أيامك تكافح من أجل البقاء، ومن أجل إيجاد عمل ودفع الإيجار، فإن الشأن العام يأتي في المرتبة الثانية».
ووفق البيانات الرسمية، بلغ معدل البطالة في المغرب خلال الربع الثاني من عام 2026 نحو 9.5%، بينما تجاوز 27% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، وهي فئة تواجه صعوبات في الاندماج بسوق العمل وتبدي اهتماماً أقل بالشأن السياسي.
وقال زهير السعيدي، البالغ 29 عاماً والعاطل عن العمل: «لست مسجلاً في اللوائح الانتخابية ولا أنوي مطلقاً أن أتسجل أو أشارك يوماً ما».
ويرى المحلل الاقتصادي أمين سامي أن صعوبة الحصول على عمل ودخل مستقر تجعل كثيراً من الوعود الانتخابية بعيدة عن الواقع بالنسبة إلى الشباب.
وأوضح أن مدى اقتناع الشباب بقدرة المؤسسات المنتخبة على تحسين ظروفهم المعيشية وتوفير فرص العمل يظل عاملاً حاسماً، فيما ترتبط مصداقية البرامج الانتخابية بوضوح أهدافها وإمكانية تنفيذها ومصادر تمويلها.
وأضاف أن «استعادة الثقة تتطلب أن يكون للشباب دور فعلي في إعداد السياسات وتحمل المسؤولية، وأن يستطيع المواطن متابعة تنفيذ الوعود ومحاسبة المنتخبين».
وقال رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، الرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار، إن حزبه يسعى إلى الفوز في الانتخابات المقررة في 23 أيلول.
ودافع أخنوش خلال فعاليات حملته الانتخابية عن أداء حكومته، معتبراً أن السنوات الخمس الماضية شهدت تحديات كبيرة، لكن الحكومة تمكنت من الوفاء بعدد من التزاماتها.
في المقابل، شكّل انضمام فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى حزب الأصالة والمعاصرة أحد أبرز تطورات الحملة الانتخابية.
وتأسس حزب الأصالة والمعاصرة عام 2008 عبر اندماج خمسة أحزاب مغربية، ويُعد من أبرز الأحزاب المشاركة في الحكومة، لكنه لم يتولَّ بعد رئاسة الحكومة.
وذهبت بعض القراءات السياسية إلى أن انضمام لقجع قد يعزز حضور الحزب في الانتخابات، بما قد يفتح أمامه إمكانية قيادة الحكومة في حال تصدر النتائج، إذ يختار العاهل المغربي رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر الانتخابات.
لكن لقجع نفى هذه التكهنات، بينما أثار قراره عدم الترشح للانتخابات مزيداً من التساؤلات حول مستقبله السياسي.
في المقابل، دعت جماعة العدل والإحسان وحزب النهج الديمقراطي العمالي إلى مقاطعة الانتخابات، معتبرين أن شروط المنافسة الديمقراطية وضمانات الحريات العامة لا تزال غير كافية.
وقالت جماعة العدل والإحسان في بيان إن الانتخابات «في صيغتها الحالية لم تستطع أن تنقل المغرب إلى أفق الديمقراطية والحرية والعدل»، معتبرة أنها أسهمت في اتساع العزوف الشعبي عن المشاركة السياسية.