
اللواء أحمد عنتر يدخن سيجارته إلى جانب محمد مخلوف
بينما لم تقتله الصراعات العائلية مع النظام الحاكم، قتله فيروس كورونا، لتعلن العاصمة دمشق عن وفاة خال الرئيس الحاكم بشار الأسد، المستشار المالي للرئيس السوري السابق حافظ الأسد ” محمد مخلوف” في مستشفى الأسد الجامعي، مساء الجمعة، وهو والد رامي مخلوف الذي طفت حربه مع ابن عمته بشار في وسائل الإعلام.
وعقب انتشار الخبر نشر علي مخلوف، صورة لجده عبر صفحته على موقع إنستغرام وكتب عليها: “الله يرحمك يا جدو ويجعل مثواك الجنة يا رب”، على حد تعبيره.
ويعتبر محمد مخلوف، أو الرجل “الشبح” بسبب ندرة صوره على مواقع التواصل الاجتماعي والتي إن تواجدت فحتما هي بالأبيض والأسود، قطبا من أقطاب الاقتصاد السوري وهو أحد أهم رجالات النظام السوري، الذي منحه صلاحيات وامتيازات مكّنته من تأسيس ما يوصف بإمبراطورية مالية واقتصادية ضخمة، موزعة ما بين مختلف القطاعات الحيوية والأساسية في البلاد، كقطاع النفط والتبغ والكهرباء والغاز والبنوك.
ولطالما كان المخلوف “الأب” يسيطر على مفاصل الاقتصاد السوري من شرقه إلى غربه، وقبل أن يحيل نفسه إلى التقاعد أورث إمبراطوريته السوداء لابنه رامي الذي استحوذ بدوره على 60 % من الاقتصاد السوري.

محمد مخلوف في صورة يعود تاريخها إلى سبعينيات القرن الماضي
بدأ نجم آل مخلوف بالتصاعد مع وصول آل الأسد للسلطة، والذين حرصوا على الإمساك بزمامها والتحكم بها من خلال تسليم المناصب للأقارب والعائلة، فكان للمخلفوف حصة الأسد، حيث اشتهر المخلوف بصفقات الفساد والتي جنت له ثروة طائلة، وعلى المقلب الآخر، بقيت علاقته مع النظام وطيدة حتى آخر لحظة من حياته، رغم خلاف ابنه مع بشار الأسد، حاول فيه المخلوف الأب حل الأزمة بينهما، إلا أن الأزمة فاقت قدراته بعد سيل المقاطع المصورة والتي ظهر فيها ابنه “الوحش المسكين” وهو يهدد فيها بكشف المستور من دمشق، في مشهد أثار استغراب المراقبين الذين اعتبروا أن ما قام به رامي جرأة بالغة أمام سطوة بشار الأسد التي تشكل زلزالا في الداخل السوري.
وسيطر آل مخلوف، على الاقتصاد السوري، خاصة عندما تولى رامي، ابن محمد مخلوف، الإشراف على مصادر تلك الثروة التي تقدر بمليارات الدولات، داخل وخارج سوريا، عوقب عليها، رامي، لاحقاً، وتحديدا في عام 2008، عندما أدرجته الخزانة الأميركية على لائحة عقوباتها، بسبب فساده وعملياته المالية غير الشرعية التي تكونت على أساسها ثروة تلك العائلة التي تعتبر ثروة مشتركة ما بين آل الأسد وآل مخلوف، وتم تكديسها على حساب قوت السوريين.
ويشار إلى أن العقوبات الاقتصادية والمالية، توالت على آل مخلوف ومختلف شركاتهم وشركائهم وأعمالهم، فجمّدت سويسرا الأصول المالية لرامي مخلوف، بسبب اتهامه بالفساد، وسعى جاهداً لإلغاء التجميد عن أصوله المالية في سويسرا.
وقررت المحكمة السويسرية الفيدرالية، في خريف عام 2017، الإبقاء على تجميد أموال مخلوف على أراضيها، بعد قرار سابق لها، رفض الإفراج عن أمواله، عام 2015، إثر قرار أولي، صدر عام 2011، أصدره المجلس الفيدرالي السويسري، ينص على اتخاذ تدابير ضد النظام السوري، على شكل عقوبات بسبب القمع العنيف الذي مارسه جيش النظام، شملت عقوبات على ممتلكات، وتجميد أصول مالية لشخصيات قريبة من النظام، وحظر العلاقات المصرفية مع حكومة النظام، بحسب نص القرار الصادر بتاريخ 18 أيار/ مايو عام 2011، عن المجلس الاتحادي السويسري.
وكانت السلطات السويسرية، عام 2015، قد أيّدت قرار منع مخلوف من التصرف بأمواله المودعة في بنوكها، بأن له مصلحة مباشرة ببقاء نظام الأسد، للحفاظ على مكانته ونشاطاته ونمط حياته.
وفي السياق نفسه، كانت السلطات السويسرية قد عاقبت محمد مخلوف نفسه، وجمّدت أصوله المالية المودعة في بنوكها، فسعى ابنه حافظ، المسؤول الاستخباراتي الكبير بنظام الأسد، للدخول إلى أراضيها لفك التجميد عن أموال أبيه وشقيقه، عام 2013، إلا أن السلطات السويسرية رفضت منحه تأشيرة دخول، خاصة وأنه هو الآخر، قد جمدت أمواله هناك.
وبرز اسم محمد مخلوف الذي يرجح أنه من مواليد عام 1932، مع أول سبعينيات القرن الماضي، عندما عيّنه حافظ الأسد، مديراً عاماً لشركة “الريجي” الاسم السابق للمؤسسة العامة للتبغ، وبقي في منصبه المذكور حتى أواسط الثمانينيات، ثم نشط في قطاع المصارف والنفط وشركات الاتصالات، وأصبح هيكل الاقتصاد السوري، برأي خبراء، بيده وبيد ابنه رامي، من بعده.
وكان آل مخلوف، جزءا من الشعارات التي رددها المعارضون السوريون عام 2011، عندما هتفوا بفساد رامي، ابن محمد خال الأسد، فقام رامي بما سمي حركة التفاف وأعلن انسحابه من أي نشاط اقتصادي ومالي في البلاد، كي “لا يكون عبئا على الأسد” كما قال في مؤتمر صحافي، إلا أن الشهور اللاحقة، أثبتت أنه كان لا يزال على رأس عمله، بل كان يقوم بتأسيس شركات وهمية كثيرة، للالتفاف على العقوبات الدولية الكثيرة التي سعت إلى حصاره وإيقاف دعمه لآلة الحرب التابعة للنظام السوري.
وبحسب ما أعلنه رامي مخلوف نفسه على حسابه الفيسبوكي، فقد اعترف بتأسيس شركات وهمية للالتفاف على العقوبات الدولية الصادرة بحقه.
ويذكر أنه في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، أصدرت محكمة الاستئناف قراراً بحل “الحزب السوري – جناح الأمانة” الذي كان رامي مخلوف قد شجع تشكيله، وبعدها صدرت سلسلة قرارات بالحجز الاحتياطي على أموال رامي مخلوف وزوجته وشركاته، ووجهت لهم تهم التهرّب الضريبي.
كما أصدرت وزارة المالية قراراً بتجميد أمواله بسبب علاقته بشركة مختصة بالنفط في وفي 17 مارس/آذار من عام 2020.
إلى أن تطور الأمر بشكل متسارع في نهاية إبريل/نيسان، حيث طلبت حكومة النظام من “سيريتل” دفع مستحقات بنحو 185 مليون دولار أميركي قبل 5 مايو/أيار، وقد رفض رامي دفع ذلك مباشرة.
وقامت السلطات باعتقال كبار الموظفين في شركاته ومؤسساته، والحجز على أمواله في سوريا، وصدور قرار بمنع مؤسسات الدولة من التعامل معه لخمس سنوات، وقرار بمنعه من السفر، وحجز 15.2 مليون سهم في 12 مصرفاً، وتجميد التداول بأسهم الشركة.
كما سحبت منه جميع الامتيازات الأمنية والاقتصادية التي كان يتمتع بها منذ كان صغيراً، وكان رامي، وأبوه محمد من قبله، يعتبر الواجهة الاقتصادية والمالية لآل الأسد، يدير فيها الثروة التي جمعت من أموال السوريين أنفسهم وعلى حساب لقمة عيشهم، بحسب منطوق العقوبات الدولية كافة التي صدرت سواء على آل مخلوف، أو آل الأسد. وأصدر قرارا بمنعه من مغادرة البلاد، وقرارات كثيرة في سياق توجه الأسد للسيطرة على تلك الأموال، في ظل أزمته الاقتصادية الخانقة.