
سفن في مضيق هرمز. رويترز
أكدت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن أزمة إغلاق إيران لـمضيق هرمز أعادت تسليط الضوء على واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية في الاقتصاد العالمي، الأمر الذي كشف عن خلل عالمي سيستغرق إصلاحه سنوات.
وبينما لا يزال وقف إطلاق النار الهش بين واشنطن وطهران قائماً، فإن تداعيات الأزمة دفعت الحكومات والشركات حول العالم إلى إعادة تقييم استراتيجيات الأمن الاقتصادي والطاقة، وسط تساؤلات حول كيفية تقليص الاعتماد على الممرات التجارية الحيوية التي يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى أدوات ضغط جيوسياسي.
وبحسب تحليل الصحيفة، فإن أزمة هرمز لا تتعلق فقط بتدفق النفط، بل تكشف عن ظاهرة أوسع باتت تعرف بـ”تسليح الاعتماد الاقتصادي المتبادل”، حيث تستغل الدول نقاط الاختناق الاستراتيجية في التجارة العالمية أو سلاسل الإمداد لتحقيق أهداف سياسية وأمنية.
وقال الأميرال جوزيبي كافو دراغوني، القائد العسكري الأعلى لحلف حلف شمال الأطلسي، خلال اجتماع لمسؤولي الدفاع والأمن في سنغافورة، إن العالم يواجه اليوم تحدياً متزايداً يتمثل في “تسليح الترابط الاقتصادي”؛ ما يتطلب تعاوناً أوثق بين الحكومات والمؤسسات العسكرية والقطاع الخاص لمواجهته.
ولسنوات طويلة، كانت الولايات المتحدة اللاعب الأبرز في هذا المجال، مستفيدة من هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي لفرض العقوبات وممارسة الضغوط الاقتصادية على خصومها.
لكن الصين برزت خلال السنوات الأخيرة كلاعب يمتلك بدوره أدوات نفوذ فعالة، مستندة إلى سيطرتها على سلاسل توريد المعادن النادرة والمواد الأساسية اللازمة لصناعات استراتيجية تشمل أشباه الموصلات والمحركات النفاثة والتكنولوجيا المتقدمة.
وترى الصحيفة أن إيران أضافت نموذجاً مختلفاً إلى هذه المعادلة، عندما استخدمت موقعها الجغرافي لإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي؛ ما منحها أداة ضغط اقتصادية غير متكافئة لكنها فعالة للغاية.
وقال غوراف غانغولي، رئيس قسم الاقتصاد الدولي في موديز أناليتيكس، إن التشابك الاقتصادي العالمي بُني عبر عقود طويلة من التعاون، مضيفاً أن فك هذه الروابط وإعادة تشكيلها “عملية بالغة الصعوبة والتعقيد”.
وتلفت “وول ستريت جورنال” إلى أن العالم واجه نماذج مشابهة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في التنافس الاقتصادي المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.
فبكين استخدمت سيطرتها الواسعة على سلاسل توريد المعادن النادرة للضغط على شركائها التجاريين، كما أثارت تهديداتها السابقة بتقييد الإمدادات العالمية مخاوف واسعة لدى شركات صناعة السيارات وأشباه الموصلات، وأصبحت هذه الموارد أحد أبرز ملفات التفاوض التجاري بين واشنطن وبكين.
ورداً على ذلك، بدأت الولايات المتحدة واليابان والدول الأوروبية استثمار مليارات الدولارات في إنشاء قدرات تعدين وتكرير جديدة خارج الصين، بما يشمل مشاريع في الولايات المتحدة وأستراليا وماليزيا.
لكن التقرير يؤكد أن التقدم لا يزال بطيئاً؛ ما يعكس صعوبة التخلص من اعتماد ترسخ عبر عقود طويلة، وسط شكاوى من شركات التعدين بأن الحكومات لا تقدم حوافز كافية لتسريع الانتقال نحو سلاسل توريد بديلة.
كما تقدم اليابان مثالاً واضحاً على التحديات التي تواجهها الدول في هذا المجال. فعلى الرغم من أن طوكيو بدأت منذ عام 2010 جهوداً مكثفة لتقليل اعتمادها على المعادن النادرة الصينية، فإنها ما تزال تستورد نحو 60% من احتياجاتها من الصين حتى اليوم.
وفي المقابل، تواجه الصين بدورها ضغوطاً كبيرة نتيجة القيود الأمريكية المفروضة على صادرات تقنيات أشباه الموصلات المتقدمة.
وتسببت هذه القيود في إبطاء قدرة الصين على إنتاج أو الحصول على الشرائح الإلكترونية الأكثر تطوراً المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة، والتي تنتجها شركات مثل إنفيديا.
ويرى خبراء الاقتصاد السياسي أن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في تنويع مصادر الإمداد، بل في تجنب استبدال نقطة ضعف بأخرى.
وقال أبراهام نيومان، المؤلف المشارك لكتاب حول تسليح الاعتماد الاقتصادي المتبادل، إن محاولات تقليل الاعتماد على طرف معين قد تؤدي أحياناً إلى خلق تبعية جديدة قابلة للاستغلال سياسياً.
وأشار إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية دفعت أوروبا إلى زيادة اعتمادها على الغاز الطبيعي الأمريكي، في حين تواصل الصين السيطرة على أجزاء كبيرة من سلاسل توريد البطاريات وتقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ويخلص التقرير إلى أن أزمة مضيق هرمز كشفت بوضوح أن الاقتصاد العالمي، رغم محاولات التنويع وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، لا يزال عرضة لتأثير عدد محدود من نقاط الاختناق الاستراتيجية، وأن بناء منظومة أكثر مرونة واستقلالية سيحتاج إلى استثمارات ضخمة وإرادة سياسية مستدامة قد تستغرق سنوات طويلة قبل أن تؤتي ثمارها.