الأربعاء 8 صفر 1448 ﻫ - 22 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

فرنسا تدعم سلام… بشروط

زيارة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام إلى باريس ولقاؤه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لم يكونا محطة بروتوكولية عابرة خصوصاً بعد حفاوة استقبال الرئيس الفرنسي لرئيس الحكومة من عند باب السيارة وحمله شخصيا المظلة للرئيس سلام .

ولكن مهما يكن فان فرنسا ، التي لطالما لعبت دور الداعم التقليدي للبنان، بدت هذه المرة أكثر وضوحًا في تحديد الشروط والمعايير، قبل المضي بأي تحرك دولي لدعم بيروت.

فالرئيس سلام، في أول زيارة رسمية له إلى قصر الإليزيه منذ توليه رئاسة الحكومة، حمل معه مجموعة من الملفات التي يواجه بعضها تحديات كبيرة في ظلّ دقة الاوضاع التي تشهدها البلاد، من الانهيار الاقتصادي إلى تفكك مؤسسات الدولة وتآكل الثقة الداخلية والخارجية. لكنه في المقابل، قدّم أيضًا التزامًا واضحًا بالسير في طريق الإصلاحات واستعادة سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وهي العناوين التي تلقّفها الجانب الفرنسي بإيجابية حذرة.

الرئيس ماكرون رحّب بما وصفه “إصرار الحكومة اللبنانية على المضي بالإصلاح”، لكنه لم يخفِ أن هذا الإصرار وحده لا يكفي. ففرنسا، التي تعهّدت بالمساهمة بـ75 مليون يورو ضمن مشروع تابع للبنك الدولي مخصص لإعادة إعمار المناطق المتضررة، وضعت في المقابل سقفًا واضحًا للدعم: لا مساعدات فعلية قبل إنجاز القوانين الإصلاحية، خصوصًا في القطاعين القضائي والمصرفي. وأكثر من ذلك، فإن الرئيس ماكرون تحدث بوضوح عن تحضير بلاده لمؤتمر دولي لدعم لبنان، لكنه ربط انعقاده بإثبات الحكومة اللبنانية قدرتها على تنفيذ الحد الأدنى من التزاماتها.

الدعم الفرنسي تجاوز الطابع المالي – الاقتصادي، ليشمل أيضًا البعد السيادي. ففي ما يشبه التفاهم السياسي الواضح، شدّد الطرفان على أهمية تجديد ولاية قوات اليونيفيل وتعزيز آلية مراقبة وقف إطلاق النار، في ظل استمرار التوتر على الحدود الجنوبية. كذلك، أعاد الجانب الفرنسي التأكيد على دعمه للجيش اللبناني كقوة شرعية وحيدة يجب أن تتولى مسؤولية الأمن وحصر السلاح، في تلميح غير مباشر إلى ضرورة معالجة ملف السلاح غير الشرعي الذي يضعف سلطة الدولة.

في هذا الإطار، برز الموقف الفرنسي من الصراع مع إسرائيل، إذ شدد ماكرون على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية ووقف الانتهاكات، بما يعكس التزامًا فرنسيًا بالموقف اللبناني الرسمي المبني على قرارات الشرعية الدولية.

أما في الملف القضائي، فأعربت باريس عن استعدادها لمواكبة مسار إصلاح العدالة من خلال الدعم الفني المباشر، وإرسال خبراء إلى وزارة العدل، وتفعيل التعاون المؤسساتي مع المعهد القضائي في لبنان. وهذا التوجّه يعكس إدراكًا فرنسيًا بأن لا إصلاح اقتصادي قابل للحياة من دون بيئة قانونية مستقلة وفعالة.

كذلك لم تغب الحدود اللبنانية – السورية عن المشهد. إذ أبدت فرنسا استعدادها لدعم أي تعاون تقني في مجال ترسيم الحدود وضبطها، مستندة إلى أرشيفها التاريخي الذي يمكن أن يشكّل رافعة قانونية في هذا الملف.

في الخلاصة، بدت زيارة نواف سلام إلى باريس بمثابة إطلاق دينامية دعم مشروط. ففرنسا أبدت استعدادها للذهاب بعيدًا في مؤازرة لبنان، لكنها أوضحت أن الخطوة التالية يجب أن تأتي من بيروت، لا من الخارج.

وفي وقت بات فيه الرهان الدولي على حكومة سلام أمرًا واقعًا، يبقى نجاح هذا الرهان رهن قدرة الحكومة على إثبات أنها أكثر من مجرد سلطة انتقالية.