
مرفأ بيروت
خمس سنوات مرّت على فاجعة مرفأ بيروت، وما زال صوت الانفجار يتردد صداه في قلوب اللبنانيين، خمس سنوات ولا تزال العدالة غائبة، تاركةً الأرواح المعلقة بين سماء بيروت وأرضها تنشد الحقيقة. تتجلى مأساة هذا التأخير في تدخل حزب الله في القضاء، عبر شخصيات نافذة مثل وفيق صفا، مما أدى إلى شلّ عمل المحقق العدلي القاضي بيطار.
يستمر بعض الوزراء والنواب في رفض المثول أمام القضاء، متحصّنين بحصاناتهم السياسية، وكأن دماء ضحايا تفجير مرفأ بيروت لا تستحق كشف الحقيقة. هذا الرفض هو رسالة واضحة بأن هناك من يملك القوة لتعطيل العدالة وحماية المتورطين، وأن النظام السياسي قد أصبح عاجزًا عن محاسبة نفسه. هذا العجز لا يفاقم ألم العائلات فحسب، بل يضع لبنان بأكمله في دوامة من الإفلات من العقاب، ويؤكد أن لا قيمة لأرواح المواطنين أمام المصالح السياسية.
إن الكارثة التي حلّت ببيروت ليست حدثاً معزولاً، هي جزء من نمط متكرر من إقحام لبنان في صراعات لا تخصه، وتحويل المناطق المدنية إلى مستودعات للسلاح. فحزب الله الذي أدخل لبنان في حروب عبثية، هو نفسه من عبث بأمن العاصمة، حيث وُضعت نترات الأمونيوم قرب منازل المواطنين. هذه الممارسة ليست جديدة على الحزب، فلطالما حوّل مناطق مثل الجنوب والضاحية الجنوبية في بيروت إلى مخازن للمتفجرات والصواريخ، معلناً بالفم الملآن أن “جبالنا خزائننا”. اليوم، يتضح أن هذه الاستراتيجية لم تقتصر على الجبال، بل امتدت لتشمل قلب العاصمة. لقد حوّل مرفأ بيروت إلى خزان للموت، ليقتل أهالي المدينة ويدمّر تاريخها وحاضرها. هذا السلوك يبيّن أن أمن المواطنين ليس على قائمة أولويات من يدّعي حمايتهم، بل هو مجرد ورقة تُستخدم في لعبة المصالح الإقليمية.
لا يمكن لبيروت أن تشفى من جراحها ما دامت الحقيقة غائبة والعدالة معطلة. أرواح الضحايا لن تهدأ حتى يتم الكشف عن كل التفاصيل، ومعرفة من المسؤول عن إدخال تلك الكميات الهائلة من النيترات إلى قلب العاصمة. إن تحقيق العدالة ليس مجرد مطلب للناجين وعائلات الضحايا، بل هو ضرورة قصوى لإنقاذ لبنان من دوامة الإفلات من العقاب التي تودي به إلى مزيد من الكوارث. إن غياب العدالة اليوم يمهد الطريق لكوارث أكبر في المستقبل. فإذا لم يُحاسَب المذنبون على الجريمة الكبرى، فمن يضمن عدم تكرارها؟