
سجن - تعبيرية
أدى تعطيل الجلسة النيابية في أمتارها الأخيرة والتي كان سيناقش فيها “قانون العفو العام” وإلغاء عقوبة الإعدام بالنسخة المفخخة والتي فصلت على قياسات معينة، إلى إحداث صدمة في الأوساط المعنية بملف السجناء. وهنا لا بد من الاشارة الى أن تعطيل تمرير القانونين جاء على أثر نجاح ، مقاطعة وانسحاب عدد من النواب للجلسة الذي لم يكن مجرد تعطيل إجرائي… بل كان تعبيرا عن رفض قاطع لنهج سياسي حاول تمرير “ألغام” في صلب هذه القوانين، وهي أفخاخ كانت كفيلة بتحويلها من أداة للإنصاف إلى وسيلة لتكريس المظلومية بدلا من رفعها.
لقد كشفت هذه التطورات عن دور مثير للجدل لعبه نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب والنائب بلال الحشيمي، وفق ما أفصح عنه المحامي والناشط الحقوقي محمد صبلوح حيث أكد أن النائبين حاولا التواصل مع بعض المساجين، للضغط باتجاه تمرير صيغ قانونية تفتقر إلى الحد الأدنى من العدالة، يمكن التثبت منها من داتا الاتصالات. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه من القوى السياسية العمل على فك أزمة الاكتظاظ ورفع الظلم… اتجهت مساعي النائبين نحو التأثير على إرادة السجناء عبر حثهم على فك مقاطعتهم، وهو مسار وصفه صبلوح بأنه يفتقر إلى النزاهة في التعامل مع الملف، ويهدف إلى نسف جهود رئيس الوزراء نواف سلام وعدد كبير من النواب ومحاولة امتصاص الغضب الشعبي بوعود ثبت أنها لا ترتقي إلى مستوى الطموحات.
وفي هذا السياق، تبرز رؤية المحامي محمد صبلوح كصوت يرفض هذه التجزئة، فبينما يسعى “مهندسو الأفخاخ” إلى تمرير ما يرضي الخارج لناحية تبييض صفحة لبنان فيما يرتبط بإلغاء عقوبة الإعدام، على حساب وجع المظلومين في الداخل، يصر صبلوح، ومعه النواب المساندون، على أن أي عفو أو تعديل قانوني يجب أن يكون شاملا وعادلا، لا يفرق بين سجين وآخر، ولا يخضع لمساومات سياسية تبتز السجناء بحريتهم.
جوهر يستند الى ادلة ثابتة
وقد فكك صبلوح جوهر هذه الأزمة مستنداَ الى الأرقام والوقائع القانونية الدقيقة، مؤكدا أن حصر العفو بهذه الصيغة المشوهة يمثل تكريسا واضحا للظلم، إذ من أصل 150 شخصا متهما في ملف الإسلاميين، لن يشمل القانون سوى 50 سجينا كحد أقصى. وفي المقابل، يواجه المتبقون واقعا قضائيا شديد القسوة، حيث يرزح 28 شخصا تحت وطأة المحاكمات المستمرة أمام المجلس العدلي، وصدرت أحكام بالإعدام بحق 11 محكوما، بينما لا يزال 15 آخرون قيد المحاكمات الجارية. وتتصاعد المخاوف القانونية من أن تفضي هذه القضايا إلى أحكام قاسية تؤدي بالنتيجة إلى استثنائهم تماما من مفاعيل العفو، ليتحول مصيرهم إلى ما يعرف بـ”المؤبد المشدد”، مما يجبرهم على قضاء أكثر من 15 سنة إضافية وراء القضبان.
ويرى صبلوح أن هذه الهيكلية الاستنسابية تسقط عن القانون أي صفة لـ”العدالة الانتقالية”، بل تجعل منه غطاء يمنع الدولة اللبنانية من الاعتراف بوجود مظلومية تاريخية في هذه الملفات. وأكد أن الوقت قد حان لإنهاء هذا الإجحاف عبر مصالحة وطنية حقيقية وشاملة، تنأى بالملف عن الحسابات الضيقة والتجاذبات السياسية والمزايدات الطائفية.
لم يعد خافيا أن ازدواجية المعايير هي السمة الأبرز للمشهد السياسي، ففي الوقت الذي تساق فيه الذرائع لعرقلة هذه القوانين بذريعة منع استرداد بعض المطلوبين في الخارج، يعيش لبنان واقعا يعج بأسماء طالتها العقوبات الدولية والمحلية، دون أن يجرؤ أحد على تحريك ساكن تجاههم. بل إن التناقض يتجلى في أبهى صوره حين نرى البعض يتحدث بلهجة المتشدد عن “مجرمين” وموقوفين في الداخل، في وقت يغض الطرف تماما عن رفض آخرين يتمتعون بغطاء سياسي، المثول أمام قاضي التحقيق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت، في استخفاف واضح بالقضاء، لإبقائهم خارج طائلة المحاسبة.
عدالة استنسابية
إن السجناء، بجميع أطيافهم وطوائفهم، باتوا يدركون اليوم أن “المعايير الدولية” التي يتغنى بها بعض المسؤولين ليست سوى قناع لتمرير أجنداتهم، وأن القضاء الذي يلاحق الضعفاء هو نفسه الذي يصاب بالشلل أمام من يملك النفوذ، سواء كان هذا النفوذ محصنا محليا أو مدعوما من الخارج. وقد شدد صبلوح على طبيعة هذه المعاناة ومحاولات التعامل مع السجناء بتوجيه رسالة لهم يؤكد فيها …”أنهم لا يعملون لمصلحة شخص دون آخر، بل هناك مصلحة عامة”، محذرا من أن الهدف من التواصل الاستنسابي مع بعضهم ليس سوى محاولة لـ”زرع بذور الفتنة والانقسام”.
هكذا، يظل السجين بكل أطيافه هو الضحية الوحيدة لهذه الأفخاخ التي صممت بعناية لتخدم أهدافا لا تمت بصلة إلى حقوق الإنسان، في مشهد يعكس أن العدالة في هذا الملف باتت رهينة للمناورات السياسية التي لا تهدف إلى الإنصاف، بل إلى ضمان استمرارية النفوذ على حساب حريات الناس.