
علم لبنان
التعميم الأخير الصادر عن مصرف لبنان بشأن ضبط التحويلات أو تعزيز الشفافية في التحويلات عبر المؤسسات المالية أو من خلال الصرافين للمبالغ التي تبلغ ألف دولار أو أكثر يأتي في سياق الجهود المبذولة لإزالة اسم لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
وللتذكير، في تشرين الأول 2024، وضعت مجموعة العمل المالي اسم لبنان على اللائحة الرمادية بسبب وجود ثغرات في النظام اللبناني لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وبشكل خاص نتيجة اتساع نطاق الاقتصاد الموازي في لبنان الذي يشمل كل ما يتعلق بالتهرب الضريبي وبإنتاج أو تجارة الممنوعات.
وعند إدراج اسم لبنان على اللائحة الرمادية، قدمت مجموعة العمل المالي عشر توصيات للسلطات اللبنانية ودعتها إلى تنفيذ عشرة إجراءات لازمة لإزالة اسم لبنان من اللائحة، كما أن الاتحاد الأوروبي وضع في حزيران الماضي اسم لبنان على لائحة البلدان المرتفعة المخاطر للأسباب نفسها.
في السياق، يرى كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل، في حديث لصوت بيروت إنترناشونال، أن السلطات اللبنانية بدأت فعلياً العمل على تنفيذ الإجراءات العشرة التي أوصت بها مجموعة العمل المالي، مشيراً إلى أن التعاميم الأربعة التي أصدرها مصرف لبنان تأتي في هذا الإطار: “فقد صدر أول تعميم يتعلق بشركات تحويل الأموال، وثانٍ يتعلق بالمحافظ الإلكترونية، وثالث يمنع المؤسسات المالية الشرعية والمرخصة من التعامل مع الجهات الخاضعة لعقوبات دولية، أما التعميم الرابع والأخير فهو متعلق بعمليات اعرف عميلك للتحويلات التي تتجاوز ألف دولار.”
لكن إزالة اسم لبنان من اللائحة الرمادية لا يقتصر فقط على دور مصرف لبنان، وفقاً لغبريل: “إذ إن المصرف يقوم بما يسمح به القانون، بينما توجد إجراءات أخرى تقع ضمن صلاحيات القضاء ووزارة العدل والقوى الأمنية والسلطة التنفيذية ووزارة المالية، وقد بدأت هذه الجهات باتخاذ خطوات إضافية، مثل التعميم الصادر عن وزارة العدل المتعلق بتوعية الكتاب العدل بمعايير مكافحة تبييض الأموال، كما نشهد جهوداً كبيرة تبذلها القوى الأمنية والجيش اللبناني في ضبط الممنوعات بكميات ضخمة من الكبتاغون والحشيشة وإقفال معامل تصنيع الكبتاغون، وهي جميعها خطوات تهدف إلى مكافحة الاقتصاد الموازي.”
وفي موضوع اقتصاد الظل، يقول غبريل: تركز مجموعة العمل المالي بشكل خاص على القطاع المالي غير الشرعي وغير المرخص، والذي لا يخضع لرقابة لجنة الرقابة على المصارف، مثل الصرافين غير المرخصين، والجمعيات التي تتصرف كمؤسسات مالية، وبعض شركات تحويل الأموال التي تتجاوز نطاق الترخيص الذي يمنحه لها مصرف لبنان، لافتاً إلى أن شركة إرنست أند يونغ العالمية قدّرت حجم الاقتصاد الموازي في لبنان بنحو عشرين بالمئة من الناتج المحلي، أي ما يقارب ستة مليارات دولار.
ويوضح غبريل أن الإجراءات العشرة التي طلبتها مجموعة العمل المالي من السلطات اللبنانية تشمل زيادة التوعية بمعايير مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب لدى القطاعات غير المالية مثل الكتاب العدل وتجار الذهب، وتسريع التحقيقات وإصدار الأحكام القضائية، ومعالجة وضع الجمعيات عالية المخاطر، في حين حماية عمل الجمعيات المرخصة، ومصادرة الأصول المشكوك في مصدرها، ومصادرة الأموال المهربة، ومصادرة الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة المهربة، إضافة إلى تعزيز التعاون في حال تلقي طلبات خارجية متعلقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
ويعتبر غبريل أن السلطات اللبنانية تقوم بما يجب عليها القيام به، وبغض النظر عن متطلبات الجهات الخارجية، فإن المصلحة العليا للبنان تكمن في إزالة اسمه من اللائحة الرمادية ومن لائحة الاتحاد الأوروبي للبلدان المرتفعة المخاطر، لأن بقاء اسم لبنان على هاتين اللائحتين يضر بسمعته الخارجية ويدفع المؤسسات الدولية المالية وغير المالية إلى التردد في التعامل مع الشركات اللبنانية، ويزيد من تشدد المصارف المراسلة في إجراءاتها، وهو ما ينعكس سلباً على لبنان.
ويشير غبريل إلى أن مجموعة العمل المالي تجتمع ثلاث مرات سنوياً في شباط وحزيران وتشرين الأول، وقد وضعت اسم لبنان على اللائحة الرمادية في تشرين الأول 2024، وأبقت عليه في اجتماعات شباط 2025، حزيران 2025، وتشرين الأول 2025. “وبرأيي ستستمر في إبقائه على اللائحة الرمادية حتى يمتثل لبنان كلياً للإجراءات العشرة المطلوبة، مع العلم أن السلطات اللبنانية على تواصل دائم مع مجموعة العمل المالي ومع فرع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد عقدت مؤخراً اجتماعات عدة بين الجانبين.”
ويشدد غبريل على أن إزالة اسم لبنان من اللائحة الرمادية يجب أن تكون أولوية قصوى للسلطات اللبنانية، متمنياً الإسراع في تطبيق هذه الإجراءات لأنها تمثل مصلحة وطنية عليا، بإزالة اسمه عن اللائحة الرمادية ولائحة البلدان المرتفعة المخاطر.
ووفقاً لغبريل، فعالية هذه الإجراءات تعتمد على قيام كل جهة بدورها ضمن نطاق صلاحياتها، فمصرف لبنان يصدر التعاميم ضمن الصلاحيات التي يمنحها له القانون، ولجنة الرقابة على المصارف مسؤولة عن التأكد من التزام المؤسسات بتطبيق هذه التعاميم، وهي مسؤولة عن مراقبة المصارف التجارية، والصرافين، وشركات تحويل الأموال، والشركات التي تقدم خدمات المحافظ الإلكترونية، كما أن للسلطات الأمنية والعسكرية دوراً أساسياً في مكافحة الممنوعات، وللسلطة القضائية ووزارة العدل دور أساسي في الإجراءات المطلوبة.
ويرى غبريل أنه من الخطأ الاعتقاد أن مصرف لبنان وحده مسؤول عن هذا الملف، إذ ينبغي على جميع السلطات تنسيق جهودها والاستمرار في العمل الذي بدأته والذي يسير في الاتجاه الصحيح، وإزالة اسم لبنان من اللائحة الرمادية ومن لائحة الاتحاد الأوروبي للبلدان المرتفعة المخاطر، الذي سوف يشجع على تدفق رؤوس الأموال ويعكس جدية السلطات في عدم السماح بأن يكون لبنان ممراً أو مركزاً يسهل عمليات الاقتصاد الموازي، ويحسن العلاقات بين القطاع المالي الشرعي والمصارف المراسلة في الخارج، مؤكداً في الختام أن إزالة اسم لبنان من هاتين اللائحتين تمثل مصلحة عليا للبنان وينبغي العمل عليها بكل جدية.