الأربعاء 9 محرم 1448 ﻫ - 24 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

بين هدير البواخر في هرمز.. جبهة لبنان نار تحت الرماد

بين هدير البواخر في هرمز… جبهة لبنان نار تحت الرماد

في وقت يسير فيه قطار التفاوض بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران على هدير البواخر التي فُتحت لها أبواب مضيق هرمز، مترجمةً حلم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخفض سعر برميل النفط إلى 20 دولاراً، وهو الحلم الذي تحدّى فيه العالم وكرره مراراً، وإن لم يتحقق فعلياً بالنسبة التي أكد عليها، فقد انخفض السعر إلى مستويات مهمة مقارنة بالقفزات التي جعلته يتخطى حاجز الـ100 دولار، محققاً تدفقاً كبيراً للنفط.

وهذا ما أعلن عنه ترامب متباهياً خلال تجمع سياسي في ولاية بنسلفانيا، عندما قال إن “ما لا يقل عن 90 مليون برميل من النفط يمر عبر مضيق هرمز”، من دون أن يغفل تذكير طهران بأنها “لن تمتلك أسلحة نووية”، معدداً الإنجازات التي حققها.

وأصابت الأخيرة مقتلاً بتعداده الخسائر التي ألحقها بنظام الملالي، إذ أكد انهيار اقتصادها و”تضرر جيشها بشدة”، لافتاً إلى أن تعافيها سيستغرق سنوات.

ورغم الانفراجات التي تحدث عنها ترامب، والتي يعتبرها جزءاً من انتصاراته، فإن المرحلة المقبلة تسودها الضبابية. فاللجان التي أُنشئت لم تخض بعد في صلب البنود التي تحقق حلم دونالد ترامب بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وهو اليوم يقف بمواجهة مجلس الشيوخ الأميركي بعد التصويت الأخير على “قانون صلاحيات الحرب”، واصفاً إياه بأنه عديم الجدوى وغير مناسب التوقيت، وأنه بعث برسالة خاطئة إلى طهران توحي بأن الداخل الأميركي لا يؤيد تحركاته وضغوطه، مشيراً إلى أن هذا التصرف منح العدو العون والراحة. إلا أنه شدد على إصراره على إنجاز ما تعهد به لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي وتفكيك قدراتها.

لبنان… صاعق تفجير

أما المواجهة الأخرى، فتكمن على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية. فالضوء الأخضر الذي منحه ترامب لإسرائيل، ثم أطفأه عقب بدء التفاوض مع طهران، لا يبدو أنه سيدفع برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى القول لترامب: “سمعاً وطاعة”.

فالجبهة الشمالية ما زالت مصدر خطر بالنسبة إليه وإلى الداخل الإسرائيلي الذي يضغط باتجاه عدم الانصياع لإرادة ترامب، رغم التسريبات التي تتحدث عن انسحابات عسكرية معينة قد تنتج عن المفاوضات الجارية في واشنطن، لناحية “المناطق التجريبية” التي تشكل تحدياً للدولة اللبنانية وقدرتها على السيطرة عليها ومنع دخول “حزب الله” إليها وتفكيك المنشآت فيها.

فكيف إذا كانت هذه المناطق تمتد بعمق 10 كيلومترات، كما حصل في النفق المكتشف في مجدل زون، والذي أظهر الجيش الإسرائيلي خطورته عندما وضعه في متناول الصحافة العالمية من خلال المعاينة الميدانية التي قام بها أحد صحافيي صحيفة “التلغراف” البريطانية، حيث وصف محتواه بدقة، مظهراً الاحترافية التي استُخدمت لتحصينه.

فهو نفق استراتيجي فسيح ومحصن يمتد بطول 170 متراً وعلى عمق 20 متراً تحت البلدة التي تبعد ثلاثة أميال، كمسافة مباشرة، عن الحدود الشمالية. وهذا النفق، الذي تؤكد مراكز أبحاث مثل “المجلس الأطلسي” ومركز “ألما” الإسرائيلي أنه يحمل بصمات التصميم والهندسة الإيرانية، لا يشبه الأنفاق البدائية المحفورة يدوياً، بل يمثل منشأة عسكرية متطورة عُثر بداخلها على مكونات عشرات الطائرات الانتحارية المسيّرة الموجهة بنظام “جي بي إس”، والتي يتجاوز مداها 200 كيلومتر.

من مجدل زون إلى تلة “علي الطاهر”

تتعدد الأنفاق وهندستها على الجغرافيا الجنوبية، إلا أن الثابت لدى الجيش الإسرائيلي أن بعضها يشكل نقطة ارتكاز ميدانية وعسكرية فائقة الأهمية، وأن مصيرها سيكون البند الأساس على طاولة المفاوضات.

وإذا كانت مجدل زون قد كشفت البصمة الهندسية الإيرانية، فإن ما يشغل الجانب الإسرائيلي فعلياً هو تلة “علي الطاهر”، التي استهدفتها تل أبيب على مدى أشهر ولم تتمكن من السيطرة عليها، في ظل معطيات نُشرت عن أهميتها لـ”حزب الله” و”الحرس الثوري الإيراني” المتواجد فيها، وفق ما يتم تداوله.

فهي تشكل نقطة تشرف بصورة مباشرة على مساحات واسعة، وتكشف خطوط الإمداد الحيوية وتحركات المشاة والآليات، وتمنح الطرف المسيطر ميزة “الإشراف الناري” والقدرة على شل الحركة العسكرية للطرف الآخر، ما يجعلها مكتسباً جيو-عسكرياً لا يمكن أن يفرط فيه أي من الطرفين، ويمكن من خلالها تغيير موازين المعركة البرية بالكامل.

ولا سيما أن المعلومات المتداولة تشير إلى أنها قاعدة قيادة وتخزين مهمة، تنطلق منها أوامر العمليات ويُخزن فيها مخزون خطير من الأسلحة، فضلاً عن وجود غرفة عمليات مشتركة مع الحرس الثوري الإيراني أو تحت إدارته. وإن صح ما يتم تداوله حول هذا الوجود المشترك، وإن كانت إسرائيل قد تمكنت من محاصرة المتواجدين فيها، ولو عن بعد، فإن المسألة تخرج فوراً من إطار “المقاومة المحلية” لتصبح مواجهة مباشرة بين إسرائيل وطهران.

إن تأكيد هذه المعطيات يعني أن “التلة” لن تكون مجرد نقطة اشتباك عابرة، وقد تتحول إلى صاعق قد ينفجر في أي لحظة. ولن يسمح الجيش الإسرائيلي بإخراجها من المعادلة العسكرية، وهو ما تبين أمس من خلال استهداف عنصرين من الحزب تحت مبرر تحركهما في مناطق تقع ضمن نطاق عملياته، واعتبار هذا التحرك خرقاً للترتيبات الأمنية القائمة.

وهذا الاستهداف، مضافاً إليه استهداف سيارتين، إحداهما على طريق الخردلي والأخرى على أطراف برعشيت، يؤشر إلى أن الأيام المقبلة قد تشهد تصاعداً في وتيرة الاستهدافات. وبذلك تفرض إسرائيل إيقاعاً يرخي بظلاله على المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وبين لبنان وإسرائيل.

فمن ستكون له الكفة الراجحة؟