الخميس 2 محرم 1448 ﻫ - 18 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

لبنان بين تفاوضين.. هل ينجح في إنقاذ نفسه من القبضة الإيرانية؟

يواجه لبنان اليوم أخطر مرحلة في تاريخ الجمهورية، تفرض عليه خوض معركة تثبيت نفسه دولةً صاحبة سيادة على قرارها السياسي، عبر تحريرها من الهيمنة الإيرانية التي وضعته رهينة لأكثر من ثلاثة عقود، وأحكمت قبضتها عليه بالترهيب وقوة السلاح.

إنها معركة استعادة الهوية الوطنية وكسر الطوق الإيراني الذي يبدو أنه استعاد بعض “الأوكسيجين”، والذي قد يُقطع عنه في أي لحظة بقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي رمى للنظام الإيراني ما يشبه “الفتات” ليبقيه على قيد الحياة. وهو ما عبّر عنه بوضوح خلال مشاركته في قمة السبع المنعقدة في فرنسا، حين قال إن “الهدف الرئيسي من الاتفاق مع إيران هو منعها من امتلاك سلاح نووي”، محذرًا من أن “الجحيم سينزل عليها” إذا أقدمت على ذلك.

انتصار مزيف

يبدو أن طهران تعيش حالة من “زهو النصر”، إلا أن هذا النصر، على أرض الواقع، يبدو مزيفًا. فـ”مذكرة التفاهم” ليست سوى بداية مكّنتها من انتزاع بضعة مليارات من الدولارات، وهي أموال لن تعيد إليها قوتها العسكرية أو نفوذها السلطوي، ولا سيما بعد اغتيال رمزها ومرشدها علي الخامنئي.

وقد توزعت “ولاية” المرشد إلى ولايات متعددة اجتمعت لإنقاذ ما تبقى من النظام، فيما تبدو المواقف الإيرانية المحتفلة بالنصر عاجزة عن ضخ الحياة مجددًا في شرايين نظام الملالي. فكل ما يجري ليس أكثر من محاولة ترميم لن تنجح في إعادة الوجه الحقيقي للنظام، بل ستُظهر التشوهات التي أصابته.

واليوم، تحاول طهران إعادة لملمة أوراق أذرعها التي تبعثرت، وعلى رأسها “حزب الله”، الذي يعيش حالة وهن عسكري وبنيوي، ولم يعد قادرًا على تقديم شيء لبيئته سوى الدعم المعنوي والخطابات السياسية والتفاخر بانتصار لم يتحقق على أرض الواقع.

واكتفى الحزب بالتباهي بالدعم الإيراني بعدما أُدرج ضمن المطالب الإيرانية، في وقت لا يتجاوز فيه هذا الدعم المطالبة بوقف إطلاق نار لم يتحقق أصلًا، في ظل استمرار الاستهدافات الإسرائيلية.

إن مشهد الدمار شبه الشامل الذي وثقه أبناء الجنوب بعد عودتهم إلى قراهم، يكشف حجم الكارثة التي خلّفتها الحرب، ويطرح أسئلة جوهرية: من سيعيد لهذه المناطق صورتها السابقة؟ ومن سيتولى إعادة بناء ما تهدم؟ وهل تستطيع طهران إعادة ما خسره الحزب من قيادات، وعلى رأسهم أمينه العام حسن نصر الله؟

لقد بات واضحًا أن تجربة عام 2006 لم تعد صالحة للاستنساخ، وأن عبارة “لو كنت أعلم” لم تعد قابلة للاستثمار في جولات الصراع الجديدة.

فنحن أمام مسار استراتيجي مختلف تبدلت فيه قواعد الاشتباك، وتغيرت معه خريطة النفوذ الإقليمي، لا سيما بعد سقوط نظام آل الأسد في سوريا، والتراجع الذي تشهده ساحة “الولي الفقيه” في العراق، بين الالتزام والتمرد حفاظًا على المصالح والرؤوس.

ولم يبقَ عمليًا سوى الساحة اللبنانية التي ما زالت الأكثر وفاءً لهذا المشروع، عبر “حزب الله” الذي استنزف نفسه في معارك ارتبطت بمصالح المحور الإيراني.

لبنان في مواجهة عودة سطوة الولي

إن “وهم الانتصار” الذي حاول النظام الإيراني تسويقه دفعه إلى محاولة ترجمته على الساحة اللبنانية، عبر الإيحاء بأنه ما زال “المنقذ”.

وقد تجلّى ذلك في الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي برئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، والذي تضمّن، وفق بيان السفارة الإيرانية في لبنان، إطلاع المسؤولين اللبنانيين على تفاصيل بنود “مذكرة التفاهم” الموقعة في إسلام آباد، ولا سيما البنود المتعلقة بلبنان.

واللافت في هذا السياق كان حديث عراقجي عن “مسؤولية الولايات المتحدة الأميركية في ضمان حسن تنفيذ بنود التفاهم”، بما يوحي أن الملف اللبناني ما زال بندًا ملحقًا بالملف الإيراني، في محاولة للالتفاف على المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل في واشنطن.

وجاء رد الرئيس عون مرحبًا بالتفاهم الإقليمي، واصفًا إياه بأنه “خطوة إيجابية نحو خفض التوترات”، لكنه شدد في المقابل على أن “استقرار لبنان وأمنه وسيادته تبقى أولوية وطنية”.

وفي حين اتسم موقف رئيس الجمهورية بالدبلوماسية الحذرة، جاء موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي تلقى اتصالًا مماثلًا من عراقجي، مختلفًا نسبيًا من حيث توجيه الشكر لطهران والانفتاح على مساعيها، معربًا عن تقديره لإدراج لبنان ضمن المذكرة.

ورغم أن هذا التمايز بقي ضمن سقف المسؤولية السياسية، فإن المؤشر الأخطر برز في موقف نائب رئيس المجلس السياسي في “حزب الله” محمود قماطي، الذي طالب السلطة اللبنانية بالخروج فورًا مما وصفه بـ”مسار المفاوضات المباشرة” في واشنطن، معللًا ذلك بعدم الثقة.

كما أعلن أن بنود الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة لم تصل بعد إلى الحزب، مشيرًا إلى أن موقفه النهائي سيتحدد بعد الاطلاع على تفاصيل الاتفاق ومضامينه.

وكان لافتًا قوله إنه “لا مانع لدى حزب الله من دخول الجيش اللبناني إلى المناطق التي ينسحب منها الاحتلال”.

“حزب الله” والثمن الباهظ

تشير هذه المعطيات إلى أن الشرعية اللبنانية تواجه مجددًا شروط “حزب الله”، الذي تنفس “أوكسيجينًا” سياسيًا إيرانيًا بعد إدراجه ضمن “مذكرة التفاهم”، في خطوة هدفت أساسًا إلى تخفيف عزلة طهران وتحقيق مكاسب مالية وسياسية لها.

لكن هذه المكاسب، إن تحققت، لن تُترجم بالضرورة إلى مكاسب للحزب، بل قد يشاركه النظام الإيراني في الخسائر والهزائم أكثر مما يشاركه في الأرباح.

فالدماء التي سالت، والقرى التي دُمّرت، والأرزاق التي ضاعت، والثمن الباهظ الذي دفعه لبنان وبيئة الحزب على حد سواء، أكبر من أن تعوضه أي صفقة سياسية أو مالية.

ويبقى السؤال: هل سيبقى القرار اللبناني رهينة للمكاسب الإيرانية المحدودة، أم أنه سيواصل مساره التفاوضي المستقل الذي بدأه مع أول جلسة تفاوضية في واشنطن؟

وهل ينجح لبنان في تثبيت استقلالية قراره الوطني، أم أنه سيعود إلى معادلة وحدة المسار والمصير مع طهران بعد التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم المرتقبة؟