
قصف إسرائيلي يستهدف مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان
يكثّف الجيش الإسرائيلي التفجيرات التي تطال، وفق إعلامه، الأنفاق والبنى التحتية لـ«حزب الله»، وتتركز على تلة «علي الطاهر» التي بدأت تتصدر واجهة الاهتمامات الإعلامية. مع العلم أنها تعرضت لضربات تدميرية في أواخر عام 2024، استُخدمت فيها صواريخ خارقة للتحصينات، وحولتها إلى تلال من ألسنة النيران التي تفجرت على دفعات على امتداد هذا الجبل.
اليوم، عاد التركيز على هذه التلة التي تكشفت معطيات عديدة حول أهميتها بالنسبة إلى «حزب الله» والحرس الثوري وإسرائيل معاً، وأضحت محط الأنظار، بانتظار معرفة كيفية التعامل معها وإسقاطها.
تحمل هذه التلة في باطنها العديد من الأسرار، وأبرزها ما ورد في تغريدات شخصية خرجت من عباءة الحزب، ونشطت على منصة «إكس» تحت معرّف «منشق عن حزب الله»، حيث كشفت عن أحداث ومعطيات خطيرة ترتبط باستراتيجية التنظيم. إلا أن المحطة الأبرز كانت في 20 يونيو من العام الجاري، حين اعتبر في تغريداته أن «الاستعراض الإعلامي البصري للمنشآت الصامتة شكّل ثغرة استخبارية استغلها الموساد لمطابقة البصمة الجغرافية، وحوّلها لاحقاً إلى محطة مهمة لمعركة قد تكون مصيرية للطرفين».
مدينة صواريخ
فضحت تغريدات «منشق» السر المدفون في باطن هذا الجبل وتاريخه، والذي ظهر عبر الإعلان الدعائي الذي نشره الحزب عام 2024 لإظهار قوته العسكرية الضخمة، وحمل اسم منشأة «عماد 4»، تحت شعار «جبالنا خزائننا». وقد أشعل الإعلان يومها النقاش والشكوك، فيما اعتبره البعض مولداً بتقنيات الذكاء الاصطناعي بهدف الردع النفسي.
وفق المعطيات التي نشرها «منشق»، فإنها بمثابة مدينة صاروخية مصغرة، مرتبطة بشبكة أنفاق طويلة ومعقدة، تشبه إلى حد كبير مدن الصواريخ التابعة للحرس الثوري الإيراني تحت الجبال في إيران.
وتُعد هذه التلال، التي ترتفع نحو 600 متر في قضاء النبطية قرب بلدة كفرتبنيت، نقطة حاكمة ومفتاحاً للسيطرة الميدانية في الجنوب، إذ تمنح من يسيطر عليها قدرة استراتيجية على رصد الحركة وتوجيه النيران نحو النبطية وإقليم التفاح وشبكات الطرق الحيوية.
إلا أن السر الحقيقي لا يكمن فوق الأرض فقط، بل في العمق الخرساني والصخري المتشابك تحتها، حيث أكد «منشق» أن الاستعراض الدعائي تحت شعار «جبالنا خزائننا» لهذه المنشأة تسبب في خطأ استراتيجي فادح، تمثل في كشف بصمة جغرافية مجانية، جعلت بنك الصواريخ والأنفاق تحت مجهر «الموساد» وأجهزة الاستخبارات.
ووفق «منشق»، تضم هذه التلال شبكة أنفاق صخرية ممتدة لعدة كيلومترات، تتسع للشاحنات ومركبات الإطلاق، وتُعد ثكنة عسكرية متكاملة تحتوي على غرف قيادة، ومستشفيات ميدانية، ومستودعات ضخمة، بُنيت على مدى نحو 12 عاماً، لتشبه مدن الصواريخ الإيرانية.
وبالنسبة إلى إسرائيل، يمثل تجريد هذه التلال من قدراتها هدفاً استراتيجياً قاصماً، لإبعاد الخطر عن الجليل وقطع شريان القدرات الصاروخية قبل أي ترتيبات إقليمية. أما بالنسبة إلى «حزب الله» وإيران، فالمعركة مصيرية، لكونها تشكل خط دفاع له رمزيته وهيبته، ولأن السيطرة عليها ستكون الاختبار الأصعب.
حقائق صادمة
تختزن ذاكرة «منشق» العديد من المعلومات، وقد أفصح عن بعضها لموقع «صوت بيروت إنترناشونال»، ولا سيما ما يرتبط بشبكة الأنفاق التي نشهد يومياً عمليات تفجير لعدد منها، والتي يميز بينها.
فالنفق ليس مجرد مكان لتخزين السلاح وتأمين المعيشة والنوم للمقاتلين، بل هو عالم وعلم واسع، واستراتيجية تُدار بها الحروب، وقد يكون سبباً في هزيمة أقوى الجيوش، كما حدث في فيتنام.
إن الكليات العسكرية والجيوش العالمية في الدول العظمى، مهما امتلكت من تكنولوجيا وأقمار صناعية وأساليب رصد ومراقبة، تجد نفسها عاجزة أمام ميليشيات أو مجموعات لا تملك التكنولوجيا، لكنها تملك الأنفاق. ففي أفغانستان، وبسبب عجز الجيش الأميركي عن الوصول إلى قادة طالبان والقاعدة، وإلى بن لادن والظواهري، استُخدم تعبير «الكهوف».
ووفق «منشق»، هناك تقنيات معقدة لفهم مسارات الأنفاق بشكل عام، وهي تختلف عن الأنفاق العسكرية التقليدية من حيث دورها. فليست جميع الأنفاق مخصصة للتخزين أو لاستراحة المقاتلين، إذ يُستخدم بعضها لتدمير العدو من خلال تفجيرها بكلفة بسيطة.
وتثير هذه النوعية من الأنفاق قلق إسرائيل، التي تعدّها الأخطر، وتخشى أن يقع جنودها في فخاخها، حتى لو كانوا فوقها لا في داخلها.
ولعل أبرز ما كشفه «منشق» هو كلفة هذه الأنفاق، التي تُقدّر بنحو 6 مليارات دولار، وتتوزع على الجنوب والبقاع والضاحية. ولم يتمكن الطيران الإسرائيلي من تدميرها، رغم آلاف الغارات التي شنها عليها، والأحزمة النارية التي استهدفتها، وقصف محيطها، إذ ما زالت تعمل.
إنها أشبه بـ«أوكار النمل» من الداخل، لناحية الشبكة الموجودة في باطنها، ولا يعلم عنها إلا من تيسرت لهم المعلومات خلال التدريبات التي كانت محصورة بفئة معينة، خضعت لدورات تخصصية يُطلق عليها «دورات الأسر»، كي لا تُكشف أسرارها.
ويبدو أن تصاعد وتيرة الاستهدافات في الأسابيع الماضية يؤشر إلى أن جزءاً كبيراً من أسرار هذه الشبكة بات تحت مرمى النيران الإسرائيلية، ولا سيما في محيط «تلة علي الطاهر»، في محاولة لتفكيك البنية التحتية واللوجستية التي تؤمن حرية الحركة للعناصر التي ما زالت تملك القدرة على إشغال الجيش الإسرائيلي، وإعاقة تقدمه باتجاه «المدينة الصاروخية».