الأربعاء 22 صفر 1448 ﻫ - 5 أغسطس 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

ما الأبعاد الاستراتيجية لتوقيع الاتفاق النووي السلمي بين واشنطن والرياض؟

جاء توقيع اتفاق التعاون النووي السلمي بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في أواخر تموز الماضي، في ظل تسابق دولي على تقنيات الطاقة النووية، ما استوقف العديد من الدول للتساؤل حول مدلولاته الجيوسياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

وكان وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، ونظيره الأميركي كريس رايت، قد وقّعا في 22 تموز اتفاقاً للتعاون النووي السلمي، يُعرف بـ”اتفاق 123″، إلى جانب اتفاق ثنائي للضمانات، بما يؤسس قانونياً لشراكة تمتد لعقود وتُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات. كما يفتح الاتفاق، بحسب خبراء في المجال النووي، الباب أمام الشركات الأميركية للمشاركة في برنامج الطاقة النووية السعودي.

وتُعد اتفاقات “123” الإطار القانوني المرجعي للتعاون النووي السلمي بين الولايات المتحدة والدول الأخرى، وفق قانون الطاقة الذرية الأميركي، إذ تتيح نقل المواد والمعدات والتكنولوجيا النووية ضمن ضوابط وشروط محددة. وتجدر الإشارة إلى أن واشنطن كانت، حتى 26 تموز 2025، مرتبطة بـ26 اتفاقاً من هذا النوع، تشمل 50 دولة، إضافة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجهات أخرى.

ويقول دبلوماسيون لـ”صوت بيروت إنترناشيونال” إن الاتفاق يسهم في استقطاب استثمارات بمليارات الدولارات، ويوفر وظائف تتطلب خبرات عالية في الصناعات والتقنيات النووية والكهربائية والمعرفية في البلدين. كما ينعكس إيجاباً على “رؤية السعودية 2030″، التي تهدف إلى بناء اقتصاد قوي يعتمد بصورة أكبر على التقنيات المعرفية في مجالات الكهرباء والصناعة والهندسة والعلوم والتكنولوجيا، وتحلية المياه، والبحث العلمي، والقطاعين الصحي والزراعي، فضلاً عن تقليل الاعتماد على الوقود الهيدروكربوني في إنتاج الطاقة، إلى جانب دعم قطاع الفضاء والابتكارات التكنولوجية وتطبيقاتها.

وأوضح الدبلوماسيون أن المشروع يشمل محطات الطاقة النووية، والمفاعلات المعيارية الصغيرة، والوقود النووي، إضافة إلى الأطر التنظيمية الخاصة بهذا القطاع. وأشاروا إلى أن الالتزام طويل الأمد بهذا المشروع سيؤدي إلى استثمارات طويلة الأجل، ما يتطلب بيئة مستقرة سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وهو ما ينعكس إيجاباً على التوسع الاقتصادي، وتعزيز الفرص الاستثمارية، وتطوير الابتكارات العلمية والتقنية، بما يعزز ثقة المستثمرين والقطاعات الصناعية في الشرق الأوسط.

ويضيف الدبلوماسيون أنه مع اشتداد المنافسة الاستراتيجية بين واشنطن من جهة، وبكين وموسكو وباريس من جهة أخرى، لم تعد الطاقة النووية مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، بل أصبحت إحدى الأدوات الأساسية لبناء النفوذ السياسي، ووسيلة لإقامة شراكات تمتد لعقود، وتعزيز الترابط التكنولوجي وسلاسل الإمداد، إضافة إلى التعاون في مجالات الوقود النووي والخبرات والتدريب بين الدول.

وأدركت واشنطن أنه إذا لم تُعدّل شروط شراكتها النووية، فقد تتجه الدول الراغبة في تطوير برامج نووية سلمية نحو روسيا أو الصين، اللتين تبديان مرونة أكبر وشروطاً أقل تعقيداً في هذا المجال. ومن شأن ذلك أن يضع السعودية ضمن فضاء استراتيجي وتكنولوجي منافس للولايات المتحدة، في وقت تعمل فيه واشنطن على احتواء النفوذين الصيني والروسي وقدراتهما. لذلك، سعت الإدارة الأميركية إلى الحفاظ على شراكتها التاريخية مع الرياض، ومنع أي اختراق لهذه العلاقة، عبر ترسيخ التحالف الاستراتيجي الذي يجمع البلدين منذ عقود.