
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
في المشهد السياسي اللبناني، لا تُقرأ الأمور بخواتيمها المعلنة، بل بما يُحاك في الغرف المغلقة. واليوم، يتصدر ملف الانتخابات النيابية (أيار 2026) واجهة الأحداث، ليس كاستحقاق ديمقراطي فحسب، بل كساحة كباش بين مشروعين: مشروع يتمسك بالدستور كمرجعية نهائية، ومشروع آخر يحترف المناورة والالتفاف على المواعيد، يتزعمه ببراعة رئيس مجلس النواب نبيه بري.
مراقبون للمشهد الانتخابي، يعتبرون عبر “صوت بيروت إنترناشونال”، أن الرئيس بري، كعادته، يتقن دور “حامي الدستور” أمام الكاميرات، حيث يخرج بتصريحات تؤكد أن “الانتخابات في موعدها ولن تطير”. ولكن خلف هذه الجدية الوهمية، تُطبخ سيناريوهات التأجيل ببطء. ففي الآونة الأخيرة، بدأ بري برمي “كرة التأجيل” في ملعب الخارج، تارةً عبر التلميح بأن سفراء اللجنة الخماسية يحبّذون التأجيل، وتارةً أخرى بالحديث عن صعوبات لوجستية وأمنية تحول دون إتمام العملية.
يقول المراقبون: “هذا التكتيك ليس جديداً، فهو يهدف إلى رفع المسؤولية عن كاهل فريق الممانعة وإظهار التأجيل كـ “حاجة وطنية” أو “مطلب دولي”، بينما الحقيقة تكمن في الخشية من تبدل الموازين الشعبية. فالممانعة تدرك أن أي انتخابات حرة ونزيهة في ظل الانهيار الحالي قد تفقدها “الأكثرية الورقية” التي تستند إليها لتعطيل المؤسسات”.
ويضيف المراقبون أن ،أحد أبرز أدوات المناورة التي يستخدمها بري وحلفاؤه هو ملف “قانون الانتخاب”، وتحديداً ما يتعلق بتصويت المغتربين (الدائرة 16). من خلال رفض التعديلات التي تطالب بها القوات اللبنانية والقوى السيادية لضمان عدالة تمثيل المغتربين، يسعى بري إلى خلق “عقدة قانونية” مستعصية. هذا الإصرار على بنود خلافية ليس دفاعاً عن القانون، بل هو لغم موقوت يتم تفجيره عند اقتراب الساعة الصفر، ليكون الذريعة المثالية لإعلان “التأجيل التقني” الذي يجر وراءه تأجيلاً سياسياً طويل الأمد.
ويؤكدون أن ما يجري “تحت الطاولة” هو عملية مفاصلة سياسية بكل ما للكلمة من معنى. فريق الممانعة يبحث عن ثمن للتأجيل؛ قد يكون هذا الثمن مقايضة على رئاسة الجمهورية، أو الحصول على ضمانات ببقاء السلاح خارج إطار الدولة مقابل القبول بإجراء الانتخابات. إنهم يتعاملون مع الدستور كرهينة، لا يُطلق سراحها إلا بعد قبض الفدية السياسية.
في مقابل هذا التخبط والمناورة، تبرز القوى السيادية كحائط صدّ منيع. فهي لا تكتفي برفض التأجيل، بل تفضحون مناورات بري وفريقه بشكل يومي، فاحترام المهل الدستورية هو المدخل الوحيد لاستعادة السيادة وبدء الإصلاح الحقيقي، لذا فهي تصر على أن “الدستور ليس مادة للمساومة”.
إن الفرق بين مَن يناضل من أجل “العبور إلى الدولة” وبين مَن يناور لـ “البقاء في الدويلة” يتضح اليوم أكثر من أي وقت مضى. الرئيس بري، بخبرته الطويلة في إدارة “الأزمات المفتعلة”، يحاول تمرير الوقت لعل المتغيرات الإقليمية تنقذ فريقه من استحقاق الصناديق، ولكن وعي الشعب اللبناني وثبات المعارضة السيادية كفيلان بإسقاط هذه الأقنعة.