الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

لبنان على مفترق الطريق.. هدنة تاريخية تحت اختبار داخلي وإقليمي

الجمهورية
A A A
طباعة المقال

تتجه الهدنة التي دخلت حيّز التنفيذ بين لبنان وإسرائيل إلى أن تصبح أكثر من مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، إذ حظيت بدعم دولي غير مسبوق، على رأسه الدعم الأميركي المباشر، حيث أعلن الرئيس دونالد ترامب التزام إسرائيل بعدم قصف لبنان مجدداً، تحت شعار واضح: «لا مزيد من القتل». ويُنظر إلى هذا الالتزام على أنه يمنح الهدنة بعداً سياسياً يجعلها جزءاً من مسار أوسع لإعادة تنظيم المشهد الإقليمي.

وفي هذا السياق، يعتبر لبنان هذه الهدنة مدخلاً لإطلاق مسار تفاوضي طويل الأمد، يرتكز إلى المبادرة التي طرحها رئيس الجمهورية ميشال عون، الهادفة إلى تثبيت قواعد الاشتباك ضمن إطار سيادي واضح ووقف الحرب بشكل نهائي. ومع ذلك، لا تخفي الأوساط الرسمية والسياسية قلقها من محاولات محتملة لتعطيل هذا المسار، سواء عبر تصعيد ميداني أو إثارة الانقسامات الداخلية.

تؤكد مصادر رسمية أن تثبيت الهدنة يتطلب شرطين رئيسيين: أولاً، تحصين الداخل عبر منع أي انزلاق نحو الفتنة أو الانقسام، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على القوى السياسية والأجهزة الأمنية لضبط الخطاب السياسي والميدان معاً. ثانياً، توحيد الموقف الرسمي خلف المبادرة التفاوضية، بما يشمل وقف إطلاق النار، انسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية، إطلاق الأسرى، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني وإخلاء أي مظاهر مسلحة خارج إطار الدولة.

وتعتبر هذه الشروط اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها، ليس فقط كطرف تفاوضي، بل كجهة قادرة على فرض التزاماتها داخلياً وخارجياً.

وأكد مصدر دبلوماسي لـ«الجمهورية» أن الهدنة «صلبة» على الرغم من أن توقيتها لم يكن وفق الحسابات الإسرائيلية التقليدية، لافتاً إلى أن إعلان ترامب الشخصي منحها زخماً سياسياً كبيراً يجعل تمديدها احتمالاً مرجحاً. ويأتي ذلك بالتوازي مع تقدم المفاوضات الأميركية-الإيرانية، ما يربط لبنان بسياق إقليمي أوسع، ويمنحه موقعاً استراتيجياً في الملفات المتعلقة بالطاقة والممرات البحرية والملف النووي الإيراني.

ورغم الإشارات الإيجابية، يحذر مرجع سياسي من الإفراط في التفاؤل، مشدداً على أن الحرب لم تنته رسمياً بعد، وأن التجارب السابقة مع إسرائيل، وآخرها نقض اتفاق تشرين الثاني 2024، تفرض الحذر. ويشير إلى معادلتين متناقضتين تتحكمان بالمشهد: الرغبة الإسرائيلية في حرية الحركة العسكرية، ومعادلة «العين بالعين» التي أعلنها حزب الله، مما يجعل الهدنة تحت اختبار دقيق حيث يمكن لأي خرق محدود أن يتحوّل إلى تصعيد واسع.

وفي المقابل، دعا زعيم سياسي وسطي إلى العودة إلى «اتفاق الهدنة» التاريخي كأساس قانوني لتنظيم العلاقة بين الطرفين، مع ضرورة توفر ضمانات دولية فعلية لتنفيذه، محذراً من محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استخدام التصعيد للهروب من أزماته الداخلية.

على الصعيد الداخلي، شدد رئيس مجلس النواب نبيه بري على أن الوحدة الوطنية والسلم الأهلي يشكلان «خطاً أحمر»، محذراً من أي محاولة لإثارة الفتنة. وقال: «الفتنة نائمة ولعن الله من يوقظها»، مؤكداً أهمية ضبط الخطاب والتحركات في هذه المرحلة الحرجة. كما جدد بري التأكيد على الثوابت الوطنية، داعياً الأجهزة الأمنية إلى وقف ظاهرة إطلاق النار احتفالاً، لما تشكله من إساءة لكرامة الشهداء والقيم الوطنية والدينية.

الرهان على اللحظة التاريخية

تُعد هذه الهدنة نقطة توازن دقيقة بين مسار سياسي يفتح الباب أمام تسوية محتملة، ومسار ميداني يظل هشاً. ويظل العامل الحاسم في قدرة لبنان على الانتقال إلى مرحلة استقرار نسبي هو توحيد موقف الدولة الداخلي، واستثمار الدعم الدولي، وفرض قواعد جديدة تحمي سيادته وتعزز موقعه في المعادلة الإقليمية، في لحظة تاريخية قد لا تتكرر قريباً.