
من جولة المفاوضات الإسرائيلة اللبنانية في واشنطن (أرشيفية- فرانس برس)
سادت أجواء مشدودة جلسات المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية – الأميركية المنعقدة في واشنطن، وسط شحّ المعلومات المسرّبة عنها وتعقيدات متزايدة ترتبط بملفات الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب والترتيبات الأمنية. وزادت حساسية المباحثات بفعل انعكاسات المسار الأميركي – الإيراني، بعدما أُقحم الملف اللبناني في خلفية ما يُعرف بـ”مفاوضات سويسرا”، ما دفع الجانب الإسرائيلي إلى التشدد في شروطه المتعلقة بالانسحاب التدريجي والمناطق النموذجية.
وأثار انسحاب الوفد العسكري اللبناني من إحدى الجلسات لعدم المشاركة في الصورة الرسمية المشتركة مع الوفود الأخرى تساؤلات واسعة، فيما تحدثت معلومات عن امتعاض داخل بعض الدوائر الأميركية من هذا الموقف، وتحرك للسفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض لاحتواء تداعياته خشية تأثيره على الدعم الأميركي للجيش اللبناني.
وكان السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى قد أقرّ بوجود تعثر في اليوم الأول من المفاوضات، معبراً عن أمله في تذليل العقبات خلال الجلسات اللاحقة.
وعلى المستوى العسكري، تناولت المباحثات آلية انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وتسلمه المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى آليات التحقق من حصرية السلاح فيها. وأفادت مصادر بعبدا بأن المفاوضات شهدت تقدماً في ملف “المناطق النموذجية”، بعدما أبدى الجانب الإسرائيلي قبولاً مبدئياً بانتشار الجيش اللبناني في مناطق محتلة تمهيداً للانسحاب منها. ويطالب لبنان بتحديد المنطقة الأولى ضمن مسار متسلسل للانسحاب، من دون اشتراط جدول زمني محدد.
ويجري العمل على إصدار “إعلان نيات” في ختام الجولة الحالية، بعدما تسلّم لبنان نسخة من مسودته وأدخل عليها تعديلات تهدف إلى تعزيز الموقف اللبناني. ومن المتوقع أن يشكل الإعلان إطاراً لتوسيع مسار التفاوض بين بيروت وتل أبيب برعاية أميركية.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤولين إسرائيليين أن الجانبين يبحثان مشروعاً تجريبياً مدعوماً من الولايات المتحدة، يقضي بتسليم الجيش اللبناني السيطرة على أراضٍ في الجنوب، على أن يخضع الجيش لتدريب وتدقيق أمني أميركي. كما كشفت عن مقترح أوروبي لإطلاق مهمة عسكرية ومدنية تمتد ثلاث سنوات لدعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته الحدودية والاستخباراتية والبحرية.
سياسياً، أكد رئيس الجمهورية جوزف عون أن المفاوضات الجارية تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، يليه انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة، وانتشار الجيش اللبناني، وعودة الأهالي، وإطلاق الأسرى، وبدء عملية إعادة الإعمار. وشدد على أن مفاوضات واشنطن منفصلة عن اجتماعات سويسرا وتتناول ملفات أمنية وإجرائية مرتبطة ببسط سلطة الدولة حتى الحدود الجنوبية المعترف بها دولياً.
من جهته، أوضح رئيس الحكومة نواف سلام أن لبنان جزء من الخلية التي تشكلت في سويسرا بهدف تثبيت وقف النار، لكنه أكد أن مسار واشنطن مختلف عنها. وقال إن لبنان اختار التفاوض لأنه “الطريق الأقل كلفة”، مؤكداً أن الهدف الأساسي يبقى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية. كما شدد على أن حصر السلاح بيد الدولة التزام لبناني نابع من اتفاق الطائف وليس استجابة لمطالب إسرائيلية.
في المقابل، واصل المسؤولون الإسرائيليون إطلاق مواقف متشددة. فأكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن مهمة إسرائيل في لبنان “لم تنته بعد”، معلناً تمسكه ببقاء القوات الإسرائيلية في الشريط الحدودي وإقامة حزام أمني عازل في الجنوب لمنع أي هجمات محتملة من “حزب الله”. كما جدد وزير الدفاع يسرائيل كاتس رفضه الانسحاب من جنوب لبنان، مؤكداً أن إسرائيل لن تسحب قواتها حتى في حال وجود طلب أميركي بذلك، وأن الولايات المتحدة لم تتقدم بأي طلب من هذا النوع.
ميدانياً، لم تخلُ الساحة الجنوبية من التوتر، إذ أطلق الجيش الإسرائيلي النار على سيارتين في بلدة النبطية الفوقا من دون تسجيل إصابات. كما أعلن استهداف عنصرين من “حزب الله” قرب مرتفعات علي الطاهر. وفي وقت لاحق، نفذت طائرة إسرائيلية غارة استهدفت سيارة جيب في دوحة كفررمان، ما أدى إلى سقوط ضحيتين وفق المعلومات الأولية.