الأثنين 21 محرم 1448 ﻫ - 6 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

250 عاماً على تأسيسها... إلى أين تتجه الولايات المتحدة؟

مع الاحتفالات الأميركية بالعيد الوطني الـ250، يتصاعد الجدل الداخلي والدولي حول مستقبل القوة الأميركية، ليس على مستوى النفوذ العالمي فحسب، وإنما أيضًا على مستوى مسار المشروع الوطني نفسه وما آل إليه.

وتواجه “الدولة العظمى” تحديات داخلية تتعلق بالحقوق والفرص والمساواة والضمانات الاجتماعية، في سياق المواطنة والإرث اللذين طالما تميزت بهما على مدى عقود طويلة. وبين استعادة “المجد المفقود” للديمقراطية، التي باتت أقرب إلى الشعار منها إلى التطبيق، سواء على المستوى الداخلي أو في المشهد الخارجي، يبرز السؤال الأساسي: كيف ستستعيد الولايات المتحدة وعدها التأسيسي وتطوره؟ وقد فتح ذلك الباب أمام نقاشات واسعة حول مستقبل البلاد.

واعتبرت مجلة “الإيكونوميست” أن “الولايات المتحدة لا تزال أغنى وأقوى وأكثر ابتكارًا من أي وقت مضى”، إلا أن الفارق بينها وبين القوى الكبرى الأخرى يتقلص تدريجيًا. وأشارت إلى أن الاقتصاد الأميركي لا يزال الأكبر عالميًا، بأسعار الصرف الجارية، بقيمة 32.4 تريليون دولار، وأن البلاد تتصدر مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، كما باتت أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي. وفي المقابل، يحتفظ الدولار بمكانته بوصفه أهم عملة في التجارة والمدفوعات الدولية، إلا أن حصته من الاحتياطيات العالمية تتراجع، كما تقلصت حصة الولايات المتحدة من الإنتاج الصناعي العالمي من نحو نصف الإنتاج بعد الحرب العالمية الثانية إلى نحو 15% حاليًا، مقابل صعود الصين.

وتواجه الولايات المتحدة أيضًا أزمة في هويتها الديمقراطية، في وقت يحاول فيه الرئيس دونالد ترامب إعادة بناء القوة الأميركية عبر زيادة الإنفاق الدفاعي، وتشجيع الحلفاء على تحمل مسؤولياتهم، وإعادة النظر في أدوات النفوذ التقليدية. فقد تقلصت المساعدات الخارجية، وجُمِّدت آلاف المنح البحثية، وتراجعت جاذبية البلاد للباحثين والمهاجرين، ما قد يؤثر مستقبلًا في الابتكار والريادة العلمية. وبعدما كانت الولايات المتحدة تُعرف بأنها “بلد المهاجرين”، يقترب معدل الهجرة خلال عامي 2025 و2026 من الصفر، كما انخفضت نسبة الراغبين في الانتقال إليها. ويكمن التحدي اليوم في أنها تتحرك في عالم لم تعد تنفرد بقيادته، وسط ضرورة الحفاظ على التفوق الذي صنعته قوتها على مر السنين.

ويقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة نورث كارولاينا، البروفيسور خضر زعرور، لـ”صوت بيروت إنترناشيونال”، إن الولايات المتحدة لا تزال الدولة الوحيدة ذات القوة العظمى عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا ودبلوماسيًا واجتماعيًا، وهي ما زالت صاحبة التأثير الأكبر في صناعة القرار الدولي. إلا أن مكامن الضعف، بحسب رأيه، تتمثل في أمرين؛ أولهما خيبة أمل شعوب العالم من مدى دعم واشنطن للديمقراطيات في الخارج. ويستشهد في ذلك بغزو العراق، واحتلال أفغانستان، وعدم مساندة الربيع العربي حتى النهاية، ولا سيما في ليبيا واليمن، إضافة إلى ما شهدته سوريا من حرب مدمرة لسنوات طويلة، وترك لبنان لعقود تحت نفوذ إيران و”حزب الله”، وقبل ذلك تحت سيطرة النظام السوري السابق.

ويعتبر زعرور أن القوة الأميركية الهائلة تمكّن واشنطن من الوصول إلى ما تريد، ومن التأثير في أي بقعة من العالم، إلا أن تراجع الثقة العالمية بها، والخشية من التغييرات المفاجئة في سياساتها الخارجية، أديا إلى تراجع شعبيتها. وحتى الدول التي كانت تسعى إلى تبني النموذج الديمقراطي الأميركي، باتت تنظر إليه اليوم بكثير من الشك. ويرى أن هذا المسار بدأ منذ حرب فيتنام، في وقت لم يكن فيه الاتحاد السوفياتي، الذي انهار عام 1991، قادرًا على منافستها. كما يشير إلى أن الولايات المتحدة دعمت أنظمة ديكتاتورية في حالات عديدة، ودعمت رئيس الوزراء المجري الذي خسر الانتخابات، وباعت السلاح في مناسبات كثيرة، ما ساهم، بحسب رأيه، في نشر الفوضى. كذلك عملت على إضعاف حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل وحتى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولا سيما في ما يتعلق بإسرائيل التي تؤدي دورًا محوريًا في السياسة الخارجية الأميركية.

ويضيف أن الاقتصاد الأميركي لم يعد كما كان في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. فقد برزت مظاهر عنصرية تجاه الأجانب والطلاب والأقليات، وسُحبت أموال من الجامعات، ولم تعد قدرة المواطن على تحقيق الاكتفاء المعيشي كما كانت سابقًا. ويعتبر أن الولايات المتحدة لا تزال تتفوق عسكريًا، في حين تواصل الصين تعزيز قوتها الاقتصادية مع مرور الوقت. أما التوازن في السياسة الأميركية تجاه الخليج، فيعزوه إلى أن الصين لا تعارض عمليًا هذا النهج. كما يرى أن جواز السفر الأميركي تراجعت أهميته عالميًا لمصلحة جوازي السفر الألماني والياباني.

ويختم زعرور بالتأكيد أن واشنطن لا تزال قادرة على إعادة تنظيم علاقاتها الدولية على أساس التشاور مع الدول، بدلًا من فرض الإرادة بالقوة، كما يمكنها استعادة شعبيتها ورمزية القيم التي لطالما رفعتها، سواء في الاقتصاد أو السلم الاجتماعي، ومعالجة ملفات الجريمة والعنصرية، والاختلال في مفاهيم حقوق الإنسان والمرأة والطفل وقيم الأسرة، فضلًا عن معالجة ظاهرة الانتحار، وهي الدولة التي اعتادت إصدار تقارير عن القيم الإنسانية حول العالم. ويرى أيضًا أن بإمكانها استعادة مفهوم الوطنية، بدلًا من أن تتحكم بإدارة الدولة الشركات واللوبيات المالية، معتبرًا أن الفكرة الوطنية ما زالت موجودة، لكنها لم تعد واضحة في ظل استخدامها بصورة تمييزية، بدلًا من توظيفها في تعزيز قوة البلاد، فضلًا عن وجود قرارات تُتخذ في الكونغرس من دون أن يكون المواطن على دراية بها.