
تلّة "علي الطاهر"
كتبت صحيفة «الجمهورية»: لم يتحدد بعد أي موعد رسمي للجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة في روما برعاية الولايات المتحدة، فيما حققت الاتصالات المكوكية التي يجريها رئيس مجموعة التنسيق الخاصة بلبنان، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، بين بيروت وتل أبيب تقدمًا في ملفي الحدود وتبادل الأسرى، حيث تم الاتفاق على تبادل لوائح بالأسرى.
أما في ما يتعلق بتثبيت وقف إطلاق النار ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، فلم يسجل أي تقدم، خصوصًا في ظل إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خطته للسيطرة على تلة علي الطاهر، التي باتت تشكل، بحسب مصدر رسمي لبناني لـ«الجمهورية»، أولوية أساسية في حساباته السياسية والانتخابية.
وعلى وقع التقدم في مهمته في ملفي الحدود وتبادل الأسرى، غادر كليرفيلد لبنان، على أن يعود قريبًا لمواصلة اتصالاته.
وقالت مصادر دبلوماسية لـ«الجمهورية» إن الحراك الوحيد الذي يمكن التعويل عليه حاليًا لمنع الانهيار الكامل لـ«صيغة الإطار» وإنقاذ الجولة الثامنة من المفاوضات في أيلول، هو الحراك الذي تقوده الولايات المتحدة على المستويين الدبلوماسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل، ولا سيما من خلال رئيس مجموعة التنسيق العسكري الجنرال جوزيف كليرفيلد.
غير أن الطروحات المتعلقة بتوسيع «المناطق التجريبية» تصطدم بواقع ميداني متفجر، في ظل توجه إسرائيلي واضح نحو فرض واقع أمني وجغرافي جديد في الجنوب.
وأوضحت المصادر أن لقاءات كليرفيلد لم تفضِ إلى نتائج إيجابية في ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من منطقة تجريبية ثانية، فيما تظهر الممارسات الإسرائيلية سعيًا إلى تثبيت سيطرة دائمة على بلدات الحافة الأمامية. وترجمت إسرائيل هذا التوجه برفع أعلامها على الطريق الساحلي بين الناقورة وصور، في خطوة اعتُبرت إيحاءً بالرغبة في ضم هذه المناطق إلى نطاقها الأمني.
ومع تعثر الجهود الأميركية، يبدو أن إسرائيل تضع لبنان أمام خيارين صعبين: إما الخضوع لخيار التوسع والتدمير والتهجير، وإما العودة إلى طاولة المفاوضات ضمن مسار قد يكرس الأمر الواقع المفروض على أرض الجنوب.
وفي هذا الإطار، كشف مصدر سياسي رفيع لـ«الجمهورية» أن مراقبة التحركات العسكرية الإسرائيلية الهادفة إلى تكبير حجم تلة علي الطاهر تقود إلى استنتاج واضح بأن إسرائيل تريد السيطرة على التلة، وتعمل على مسارين لتحقيق ذلك.
المسار الأول يقوم على الضغط الأميركي على السلطة اللبنانية للتفاوض مع «حزب الله» من أجل تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، وهو خيار، بحسب المصدر، لن يقبل به الحزب. أما المسار الثاني، فيقوم على عملية قضم تدريجية بهدف إحكام السيطرة على التلة والاستيلاء عليها بكلفة منخفضة، ومن دون الانجرار إلى حرب واسعة.
ويرى المصدر أن طبيعة الضربات الإسرائيلية تعكس رهانًا على إضعاف العناصر الموجودة داخل التلة بعد أشهر من الحصار، بما يؤدي إلى تفريغها وإخلائها كأمر واقع، قبل تنفيذ عملية كبيرة للسيطرة عليها، بما يمنح إسرائيل، وفق حساباتها، إنجازًا ميدانيًا مهمًا يمكن أن ينعكس على موازين القوى في المنطقة وعلى مسار المفاوضات اللبنانية.
وفي المقابل، رأى المصدر أن الذهاب إلى حرب واسعة ليس بالضرورة في مصلحة إسرائيل، لأن توسع المواجهة قد يؤدي إلى سقوط صواريخ على الشمال الإسرائيلي، بما يضعف الرواية التي تستند إليها إسرائيل في تبرير عملياتها في الجنوب تحت عنوان حماية مستوطنات الشمال. ومن هنا، فإن التصعيد الكبير والانتقال إلى حرب واسعة قد يبقيان مؤجلين طالما أن إسرائيل تعتقد أن بإمكانها تحقيق أهدافها بكلفة أقل.
وفي إطار الحراك اللبناني للحصول على دعم دولي، يزور رئيس الجمهورية جوزاف عون إيطاليا والفاتيكان، حيث يلتقي البابا لاوون الرابع عشر وعددًا من كبار المسؤولين في الفاتيكان، قبل أن يلتقي الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.
وتركز المحادثات مع المسؤولين الإيطاليين على الدور الذي يمكن أن تؤديه إيطاليا في آلية التحقق ضمن المناطق التجريبية، خصوصًا أنها من الدول المرشحة للمشاركة في هذه المهمة، فضلًا عن استضافتها المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية واهتمامها بمرحلة ما بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل» في الجنوب اللبناني.
أما زيارة الفاتيكان، فتتصل بعدة أبعاد، أبرزها الاطلاع على أجواء الاتصالات التي يجريها الكرسي الرسولي مع الدول الفاعلة، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول المنطقة، بهدف دعم لبنان ومساعدته على تجاوز المرحلة الصعبة التي يمر بها.
وفي السياق، أكد الرئيس عون لوزير الدولة الكندي للتنمية الدولية رانديب ساراي أن لبنان يرحب بالدعم الكندي للمساعدة في عودة الجنوبيين إلى قراهم وتأمين مساكن لهم، خصوصًا في القرى والبلدات التي دمرتها إسرائيل، مشددًا على أن إعادة الإعمار ستتولاها الدولة اللبنانية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش حتى الحدود الدولية.
من جهته، أكد الوزير الكندي حرص بلاده على استقرار لبنان وتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين وتفعيل البرامج المشتركة.
وشرح عون موقف لبنان من المفاوضات اللبنانية – الأميركية – الإسرائيلية التي أفضت إلى «صيغة الإطار»، مؤكدًا تمسك لبنان بتطبيقها، ومطالبًا بالضغط على إسرائيل للالتزام ببنودها، ولا سيما وقف تفجير المنازل والممتلكات وتدميرها وتجريفها واستهداف المواطنين، كما حصل في بلدتي أنصار والزهراني قبل أيام.
وفي غضون ذلك، حذرت الأمم المتحدة من «تصعيد مقلق» في جنوب لبنان، في وقت سجلت فيه «اليونيفيل» أنشطة عسكرية مكثفة في منطقة عملياتها.
وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن «اليونيفيل» رصدت أنشطة عسكرية مكثفة خلال عطلة نهاية الأسبوع، شملت غارات جوية إسرائيلية، وهجمات بطائرات هليكوبتر، وإطلاق نار غير مباشر، وعمليات بحرية في المياه الإقليمية اللبنانية، في تطور يعكس تصاعد التوتر على طول الخط الأزرق.
وأضاف أن قوات حفظ السلام تمكنت من اكتشاف وتحييد ذخائر غير منفجرة في المنطقة، لكنها واجهت في الوقت نفسه قيودًا على حرية تنقلها، إضافة إلى حوادث اتسمت بسلوك عدواني، ما يعيق قدرتها على تنفيذ مهماتها، في ظل استمرار الخروقات والتجاوزات التي تهدد الاستقرار الهش في الجنوب.
وفي السياق، استقبل قائد الجيش العماد رودولف هيكل في مكتبه في اليرزة رئيس منظمة «أميركان تاسك فورس فور ليبانون»، السفير الأميركي السابق إدوار غابريال، يرافقه عدد من أعضاء مجلس إدارة المنظمة، وجرى عرض آخر التطورات في لبنان والمنطقة.
وتخلل اللقاء حوار معمق وصريح حول مهمات الجيش والتعقيدات التي يواجهها في المرحلة الراهنة. وثمّن غابريال تضحيات العسكريين، مشيرًا إلى أهمية دور الجيش في الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد.
من جهته، أكد العماد هيكل مواصلة الجيش تنفيذ المهمات كافة المتعلقة بـ«صيغة الإطار» ضمن الإمكانات المتوافرة، في وقت تستمر فيه إسرائيل في اعتداءاتها وخروقاتها للتفاهمات القائمة ضمن الاتفاق.
كما زار هيكل مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، حيث بحثا في الأوضاع على الساحة اللبنانية. وأثنى دريان على دور الجيش وقيادته في حفظ أمن البلاد، مؤكدًا وقوفه إلى جانب المؤسسة العسكرية ودعمها في المحافظة على استقرار الوطن وسلامته، ومنوهًا بتضحيات الجيش في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية والحفاظ على الأمن والاستقرار.
ميدانيًا، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، إذ نفذت جرافات إسرائيلية عملية تجريف في مشاع بلدة المنصوري، فيما أفيد عن تفجير خزان المياه العمومي في المنطقة، والذي يزود البلدة بالمياه.
كما نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرين في عيناثا في قضاء بنت جبيل، وتفجيرًا ثالثًا عنيفًا في بلدة حولا جنوب لبنان، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف بلدة المنصوري في قضاء صور.
وبعد ظهر أمس، طال قصف مدفعي الأطراف الغربية لبلدة حولا في قضاء مرجعيون، فيما سقطت قذيفة مدفعية على منطقة وادي الحير في خراج راشيا الفخار.
وفي موازاة ذلك، أفيد بأن قوة إسرائيلية تعمل على تثبيت بوابة حديدية عند أحد الممرات في وسط بلدة عين عرب في قضاء مرجعيون، في ظل استمرار وجود القوات الإسرائيلية في البلدة التي لا تزال خالية من سكانها وتحت الاحتلال.
من جهة ثانية، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل استعادت رفات جندي سلاح المدرعات يهودا كاتس، الذي قتل في معركة السلطان يعقوب في لبنان عام 1982، عبر عملية خاصة.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، دعا رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تحديد جلسة علنية لمساءلة الحكومة أمام الرأي العام اللبناني حول عدد من الملفات، في مقدمها الحرب والسلاح والاتفاق المرتبط بهذا الملف.
واعتبر باسيل، خلال مؤتمر صحافي تحت عنوان «المعارضة تسائل الحكومة»، أن المعارضة جاهزة بملفاتها، بينما الحكومة غير جاهزة للمساءلة، متهمًا إياها بعدم تحقيق الإصلاحات التي تعهدت بها.
وأشار إلى أن لدى المعارضة ملفًا مفصلًا يتضمن 57 نقطة تتناول ما لم تنفذه الحكومة أو ما خالفته، مؤكدًا أن الملف جاهز للنشر.
كما طالب باسيل الحكومة بالإعلان رسميًا أمام مجلس النواب عما إذا كان هناك ملحق أمني أو وثائق أمنية تنفيذية غير منشورة مرتبطة بـ«صيغة الإطار»، في ظل تصريحات إسرائيلية تتحدث عن عدم الانسحاب بتفويض من السلطة اللبنانية.
وفي ملف قانون العفو العام، أعلن باسيل أن «التيار الوطني الحر» يدرس بجدية الطعن بالقانون، كما اتهم رئيس الحكومة نواف سلام بمخالفة الدستور، على خلفية منعه وزيرًا من إبداء رأيه في مجلس النواب، معتبرًا أن «الطائف يُضرب من أهل بيته»، ومطالبًا بتطبيقه.
وعلى خط العلاقات اللبنانية – السورية، قرر النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج تسليم اللواء السوري السابق عادل عيسى، الموقوف في لبنان، إلى السلطات السورية لمحاكمته بالجرائم المنسوبة إليه والتي يُتهم بارتكابها على الأراضي السورية.
وجاء القرار استنادًا إلى الاتفاقية القضائية اللبنانية – السورية الموقعة عام 1951، بعدما اعتبر القضاء اللبناني أن شروط التسليم مستوفاة من مختلف الجوانب القانونية والقضائية.
وكلّف القاضي الحاج قسم المباحث الجنائية المركزية نقل عيسى من نظارة قصر العدل في بيروت إلى المديرية العامة للأمن العام، تمهيدًا لتسليمه ونقله إلى الحدود اللبنانية – السورية، حيث سيتم تسليمه إلى لجنة أمنية سورية موجودة على الجانب السوري من الحدود.