الأربعاء 5 ربيع الثاني 1448 ﻫ - 16 سبتمبر 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

رميش بين الاحتلال والعزلة.. ماذا بعد رحيل اليونيفيل؟

كانت مركبات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة الوحيدة التي تتحرك على الطريق المؤدي إلى بلدات مسيحية تقع في عمق المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل في جنوب لبنان.

وخلّفت عمليات القصف والهدم الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من ستة أشهر، بعد هجوم صاروخي شنّه حزب الله في أوائل آذار، قرى مهجورة وسكاناً نزحوا قسراً عن منازلهم التي امتدت على مساحات شاسعة من الأراضي. وتشير البوابات المعدنية الصدئة إلى ما كانت يوماً بيوتاً في هذه المناطق.

ويتم التحكم بالدخول من باقي أنحاء لبنان عبر نقاط تفتيش إسرائيلية أُنشئت حديثاً، فيما تتمركز دبابات إسرائيلية من طراز «ميركافا» وسط الطريق الموحش بعد إحدى هذه النقاط.

وحظي مراسلون من رويترز، برفقة أفراد من قوات حفظ السلام الفرنسية التابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، بفرصة نادرة للوصول إلى المنطقة وبلدة رميش، وهي واحدة من ثلاث بلدات ذات غالبية مسيحية بقي سكانها فيها، رغم أن الجيش الإسرائيلي أنشأ «منطقة أمنية» أعلنها من جانب واحد في جنوب لبنان.

ومنذ سيطرة إسرائيل على المنطقة، دأبت قوات اليونيفيل على مرافقة قوافل المساعدات الغذائية وغيرها من البضائع إلى البلدات المسيحية. لكن بعد ما يقرب من خمسة عقود على تشكيلها، سينتهي تفويض القوة الأممية بنهاية العام، ما يثير مخاوف سكان رميش من انقطاع صلتهم ببقية لبنان. وقد قرر مجلس الأمن أن ينتهي التفويض في 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعد ذلك عملية انسحاب تدريجية ومنظمة خلال عام 2027.

ويقول جورج إبراهيم، وهو مدرس يبلغ من العمر 45 عاماً من رميش، حيث لا يزال يعيش نحو ستة آلاف شخص: «ماذا سيحدث لنا؟ ماذا سيحدث لأصحاب المتاجر وهؤلاء التجار؟ إذا أرادوا جلب البضائع من بيروت إلى هنا، فكيف ستصل تلك البضائع؟».

وتمثل البلدة أكبر تجمع سكاني في المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل، حيث دمر القصف الإسرائيلي قرى ذات غالبية شيعية كان حزب الله يستمد منها دعماً تاريخياً.

ويوضح إبراهيم: «نعتبر أنفسنا نعيش في سجن كبير، معزولين. بدون اليونيفيل، لا أعرف ما هو المستقبل».

البضائع بدأت تنفد

ورداً على طلب للتعليق، قال مسؤول عسكري إسرائيلي إن إسرائيل لا تعتبر دور اليونيفيل جوهرياً بالنسبة إلى الجهود الإنسانية، وإنها تعمل على «تسهيل الأمور على السكان».

وتأسست قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان عام 1978، بعد أيام من غزو إسرائيل لجنوب لبنان، وأُنشئت في البداية لمدة ستة أشهر للتأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية، قبل أن يتم تجديد تفويضها مراراً، بما في ذلك بعد انسحاب القوات الإسرائيلية عام 2000.

وبعد حرب عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله، توسع دور القوة ليشمل مراقبة وقف إطلاق النار، ودعم وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين. كما ساهمت في آليات الاتصال بين الجانبين، وفي أعمال ترسيم «الخط الأزرق» الذي يمثل خط الانسحاب الإسرائيلي الذي حددته الأمم المتحدة عام 2000.

وقُتل أكثر من 300 من قوات حفظ السلام في لبنان، بينهم سبعة خلال الحرب الحالية، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 4300 شخص في لبنان، فيما لا يزال نحو 300 ألف شخص نازحين نتيجة لها.

وأصبحت القوة جزءاً من المشهد اليومي في المنطقة. وبالقرب من كنيسة رميش، سأل أولاد يلعبون كرة القدم قوات حفظ السلام عما إذا كان بإمكانهم السماح لهم بالدخول إلى مركباتهم.

وقال الكابتن جوليان، الذي يرأس سرية استطلاع فرنسية ضمن اليونيفيل وطلب عدم ذكر اسم عائلته التزاماً بالتعليمات الأمنية: «يحتاج المدنيون إلى دعم من اليونيفيل، وهذا ما نقدمه».

وأضاف: «ماذا سيحدث بعد ذلك؟ أنا لا أعرف، لكنني آمل أن نجد وسيلة أخرى للمدنيين لعبور الخطوط الإسرائيلية والعيش بسلام». وأشار إلى الحاجة إلى مرافقة أمنية لعبور نقاط التفتيش الإسرائيلية المنتشرة في المنطقة.

وخلال الأسبوع الماضي، أُلغيت قوافل مساعدات وبضائع تابعة لتجار محليين كانت متجهة إلى رميش في اللحظة الأخيرة ومن دون سبب محدد، بما في ذلك القافلة التي كان من المفترض أن ترافقها وسائل إعلام.

وعلى الرغم من أن قوات اليونيفيل دخلت مرتين على الأقل إلى المنطقة الأمنية الإسرائيلية، فإنها لم ترافق أي إمدادات، وقال سكان من رميش إن مخزونات المنتجات الطازجة والوقود بدأت تنفد.

وأُغلقت متاجر الفاكهة والخضراوات في وسط المدينة، فيما لم تعرض متاجر أخرى سوى مواد غذائية غير قابلة للتلف على رفوف بدت نصف ممتلئة. واستخدم شاب يملك محل فلافل آخر ما تبقى لديه من طماطم لصنع شطيرة، في حين دوت أصوات انفجارات ناجمة عن عمليات عسكرية إسرائيلية في مناطق أخرى من الجنوب في أرجاء رميش.

وقال المسؤول العسكري الإسرائيلي إن إسرائيل موجودة في «المنطقة الأمنية» لتطهيرها من حزب الله، ولا ترغب في البقاء فيها على المدى الطويل أو تنوي إنشاء قواعد دائمة.

دور مراقبة النزاعات

أكثر من نصف قواعد اليونيفيل، البالغ عددها نحو 50 قاعدة، تقع الآن داخل الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، بما في ذلك مقرها الرئيسي في الناقورة، الذي لا يمكن الوصول إليه إلا عبر نقطتي تفتيش عسكريتين إسرائيليتين.

وبموجب القرار الحالي، ستتوقف عمليات اليونيفيل في 31 كانون الأول، ثم تبدأ عملية انسحاب تدريجية وآمنة خلال عام 2027، بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، على أن تنتقل المواقع إلى السلطات اللبنانية.

ومع تصاعد حدة الضربات الإسرائيلية على الجنوب، أصبحت القواعد العسكرية هناك ملاذاً لمقاولين لبنانيين يقدمون خدماتهم لهذه القوات. وقال كثير منهم إن انسحاب اليونيفيل سيتركهم بلا عمل ولا مأوى.

ومع تقييد الوصول إلى جنوب لبنان بسبب الاحتلال الإسرائيلي، يحذر المقربون من البعثة من أن رحيلها قد يعني أن الجنوب سيصبح بعيداً عن «أعين وآذان العالم».

وخلال فترات الحرب عند الخط الأزرق، كانت قوات اليونيفيل ترصد تبادل إطلاق النار والانتهاكات المحتملة للقانون الدولي.

وقال مسؤول كبير في الأمم المتحدة إن قوات اليونيفيل تمتلك سجلات تمتد لعقود، تشمل محاضر اجتماعات وأعمال خرائط وقياسات، ما يطرح تساؤلات حول مصير هذه السجلات ومستقبل الخط الأزرق في هذه المرحلة الحساسة.

وخلال هذا العام، سهّلت القوة وصول موظفي الأمم المتحدة الذين يحققون في جرائم حرب محتملة إلى مناطق في جنوب لبنان تخضع للسيطرة الإسرائيلية. وقال مصدران مطلعان إن هذا الوصول قد يصبح نادراً للغاية، إن لم يكن مستحيلاً، في غياب وجود أممي.

جهود حثيثة لتمديد المهمة

بعد محادثات بوساطة أميركية، اتفق لبنان وإسرائيل في حزيران على خطة تقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجياً بالتزامن مع نزع سلاح حزب الله من قبل القوات اللبنانية التي ستتولى بدورها السيطرة على جنوب لبنان. إلا أن الخلاف حول مسألة السلاح والوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية أدى إلى تعثر تنفيذ الخطة.

وتجري حالياً جهود حثيثة لإبقاء قوات اليونيفيل في لبنان لما بعد نهاية هذا العام. وكان لبنان قد طالب بتمديد المهمة، فيما يواصل المجتمع الدولي بحث ترتيبات مستقبلية لتنفيذ القرار 1701 بعد انتهاء مهمة القوة. وأكدت الأمم المتحدة أن هناك خيارات مطروحة تتعلق بالمراقبة وتقديم الدعم للجيش اللبناني بعد انتهاء التفويض.

وقالت المتحدثة باسم اليونيفيل كانديس أرديل إن القوة لديها خطة للانسحاب، وإن ذلك سيتضمن تسليم المواقع إلى القوات المسلحة اللبنانية.

وأضافت أن الوضع سيُدرس بالتفصيل في حينه، لكن الخلاصة هي أن القوة ستضطر إلى تسليم مواقعها مع بدء عملية الانسحاب.

ورحبت الولايات المتحدة وإسرائيل العام الماضي بقرار مجلس الأمن تجديد ولاية اليونيفيل لمرة أخيرة. وقالت إسرائيل إن الانسحاب التدريجي هو «القرار الصائب» بعد انتقادات وجهتها إلى أداء القوة في منع الحشد العسكري لحزب الله في جنوب لبنان.

ومع استعداد المهمة للانسحاب، يرى سكان رميش أن المستقبل أمامهم غامض.

وقال نجيب العميل، الكاهن الكاثوليكي في البلدة، والذي يتذكر عندما تم نشر قوات اليونيفيل لأول مرة قبل ما يقرب من 50 عاماً، إن سكان المنطقة، وفي ظل تنامي المخاوف من انقطاع صلتهم ببقية لبنان، يخشون من أن ينظر إليهم بقية اللبنانيين على أنهم «متواطئون».

وتساءل: «هل ستتركنا إسرائيل هنا أم ستطردنا؟ وإذا سمحت لنا بالبقاء، فكيف سيكون وضعنا؟ إدارياً، هل سنكون مع إسرائيل، أم مع لبنان؟».

    المصدر :
  • رويترز