
نوح زعيتر
لم تكن عملية توقيف نوح زعيتر، أحد أخطر المطلوبين في عالم الجريمة المنظمة والإتجار بالمخدرات، لتتم بهذه الطريقة المحترفة لولا تظافر وتنسيق الجهود الأمنية على الحدود السورية-اللبنانية. يشير هذا الإنجاز الأمني النوعي إلى تحول جذري في التعامل مع ملف الحدود المترهل، ويؤكد أن الخناق الذي بدأ يضيق على كافة تجار المخدرات والعصابات العابرة للحدود، قد بدأ مع اتخاذ القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع لقرار حاسم بفرض الأمن وإقفال الحدود السورية بإحكام.
التحول في الموقف السوري، وتغير القيادة، أوجد وضعاً جديداً على الأرض، فقد بدأت القيادة السورية بفرض رقابة لصيقة ومشددة لحركة العصابات التي كانت سابقاً تتنقل بحرية نسبية بين البلدين، وهذا التضييق لم يقتصر على مكافحة المخدرات التي كانت تشكل نقطة خطيرة لتصدير السموم إلى الدول العربية الصديقة، بل امتد ليشمل نشاط هذه العصابات التي انتقلت تدريجياً إلى العمل بتهريب الأسلحة إلى حزب الله، مما يهدد استقرار البلدين والمنطقة.
مصادر أمنية لبنانية تكشف أن هذا الإنجاز النوعي الذي حققته مديرية المخابرات اللبنانية، أنهى حقبة طويلة من الفلتان الأمني على الحدود اللبنانية السورية والمناطق اللبنانية المتاخمة، والتي كانت تشكل بؤراً خارجة عن سلطة الدولة اللبنانية، تستفيد من التراخي الإداري والسياسي لإدامة أنشطتها غير الشرعية.
من الناحية السياسية، فإن القول إن هناك عملية رفع غطاء عن هذه العصابات والمطلوبين ليس دقيقاً بالمعنى التقليدي للكلمة، إذ لم يكن هناك قرار سياسي متعمد برفع الغطاء بقدر ما كان غطاء يتآكل وينهار نتيجة لتطورات جيوسياسية كبرى.
بعد الحرب الأخيرة، وتزايد الضغوط الداخلية والإقليمية، أصبح حزب الله غير قادر على حماية نفسه بالقدر الذي كان عليه سابقاً، وبالتالي لم يعد قادراً على تأمين الغطاء الفعال والمطلق لهذه العصابات، كما أن سقوط نظام الأسد أحدث فراغاً في السيطرة الأمنية على الجانب السوري من الحدود، مما أجبر القيادة الجديدة على إعادة ترتيب أولوياتها والتحرك نحو فرض الأمن والسيادة على كامل أراضيها، وهذا خدم مباشرة خطة محكمة لإنهاء صفحة التفلت الأمني في تلك المناطق.
مصادر سورية مطلعة تؤكد عبر “صوت بيروت إنترناشيونال”، أن العمل الأمني النوعي الذي قامت به الأجهزة الأمنية السورية لم يكن سلبياً، بل كان تحركاً إيجابياً ومقصوداً، فقد عملت هذه الأجهزة على إقفال كل مزارب التهريب التي كانت تُستخدم ليس فقط لتهريب المخدرات، ولكن أيضاً لتهريب الأسلحة وخصوصاً لحساب حزب الله.
تشير المصادر إلى أن، هذا التحرك تم لمصلحة البلدين لبنان وسوريا، حيث وجدت تلك العصابات الموالية نفسها فجأة داخل كماشة ضيقة جداً، والمساحة الجغرافية المتاحة لها للتحرك أو الفرار تقلصت بشكل كبير، مما أدى إلى سهولة رصد حركتها ونشاطها وحصرها ضمن نقطة جغرافية ضيقة للغاية. هذا الحصر الجغرافي هو الذي سهّل عملية إلقاء القبض على هذه العصابات، وكان أساس نجاح عملية توقيف نوح زعيتر التي تحولت إلى رمز لانتهاء حقبة الفلتان الأمني والتهريب المنظم عبر الحدود.