استمع لاذاعتنا

الاستشارات شكلية.. والحكومة لن تبصر النور في لبنان

بسحر ساحر تحدد موعد الاستشارات النيابية الملزمة يوم الاثنين الواقع فيه ٣١ آب والذي يسبق بالشكل والمضمون زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون التي تصادف في اليوم التالي الاول من ايلول.

وفقاً لرواية السلطة، فإن الموعد تحدد بعد اتصال جرى بين الرئيسين ميشال عون ونبيه بري، رغم ان بري نفسه اعلن انه قد أطفأ محركاته بعدما لمس فشلاً بفتح كوة في جدران شركائه في السلطة لعيد منها سعد الحريري الى رئاسة الحكومة، او ان يخرج منها ارنباً كما جرت العادة عندما تصل الامور في لبنان الى حائط مسدود. فما الذي تغير منذ اسبوعين حين زار بري قصر بعبدا وعاد الى عين التينة مستقلاً طريقاً رمادية فرضتها اجواء الزيارة التي خرج منها لا يعلم ماذا يحمل معه الى حزب الله وسعد الحريري، وما تلى الزيارة من عقبات ترجمت بمواقف باسيل وكل من يدور في فلك هذه السلطة، وصولاً الى الاتصال الشهير الذي عمّ وسائل الاعلام في الساعات القليلة الماضية بين عون وبري والذي تمخض عنه تحديد موعد الاستشارات النيابية الملزمة رغم غياب ادنى تفاهم بين اقطاب السلطة على اسم رئيس الحكومة العتيد او على شكل الحكومة الجديدة وبرنامجها، ورغم غياب ادنى توافق من ارباب هذه السلطة من اصرار البطريرك الراعي على تموضع جديد لبنان كأولوية او كمدخل لحل الازمة التي لن تبدأ فصول نهايتها مع تسمية اسم رئيس جديد للحكومة؟

لن يصدق عاقل ان ما دفع الحاكمين بامر البلاد والعباد الى التحرك، هو ما قاله وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان وهو يهزهم ويحاول ايقاظهم من مماحكاتهم ومحاصصاتهم. حين أكد على مسامع الجميع أن لبنان يواجه خطر اختفاء الدولة بسبب تقاعس النخبة السياسية التي يتعين عليها تشكيل حكومة جديدة سريعًا لتنفيذ إصلاحات ضرورية للبلاد.

او حين قال ان “المجتمع الدولي لن يوقع شيكًا على بياض إذا لم تنفذ السلطات الإصلاحات. عليهم تنفيذها سريعًا… لأن الخطر اليوم هو اختفاء لبنان”.

فهذه الطبقة السياسية الحاكمة التي ارتكبت كل الجرائم الموصوفة بحق لبنان واللبنانيين لن يهزها توبيخ دولي او حتى تهديد.
ما قامت به السلطة بتوافقها على تحديد موعداً للاستشارات النيابية وفقاً للرواية الاقرب الى المنطق الذي تنتهجه منذ عقود، حتى لو لم تفض هذه الاستشارات الى النتيجة المرجوة هو لذر الرماد في العيون، عيون كائن من يكون داخل لبنان وخارجه، طالما ان اي حكومة لن ترى النور لعدة اعتبارات ابرزها:

اولا لأن السلطة نفسها باتت تدرك ان هناك أزمة حقيقية سببتھا عوامل جیوسیاسیة لھا تجلیات داخلیة، حيث ان الفساد بات متفشياً في صفوف المؤسسة الحاكمة، والذي تحول إلى أداة لتعزیز الأھداف الجیوسیاسیة، مع اضطلاع إیران بدور إعادة صیاغة قواعد اللعبة اللبنانیة وحولت حزب الله إلى دولة داخل الدولة، وحولت المؤسسات الرسمیة إلى ھیاكل فارغة من أي معنى حقیقي لها، وبالتالي يجب اقتلاع الدويلة من داخل الدولة وهذا امر غير متوفر حالياً.

الاعتبار الثاني، فانه وبالرغم ما يحمل معه ماكرون في الاول من ايلول من صيغة جديدة للحكم وتوابعها، الا انه لن يكون بالامكان ضمان نجاح هذا التغيير او باقل تقدير وقف الإنھیار القائم في لبنان كمرحلة أولیة في طریق عملیة الإنقاذ، وذلك بسبب غياب الغطاء العربي، ولا سیما السعودي لرئیس الحكومة، سواء أكان سعد الحریري أم غیره ما دامت المعادلة القائمة في لبنان والتي یتحكم بھا حزب الله ومن خلفه إیران لم تتغیّر.

الاعتبار الثالث الذي يفرض نفسه هو غياب الغطاء الأمیركي، والواقع يؤكد ان لبنان على أبواب شھرین من الإستحقاق الأمیركي، یُنتظر خلالهما أن تشتد المواجھة بین واشنطن وطھران، ولا سیما بعدما بدا واضحا أن كلا الطرفین ماضٍ في لعبة عض الأصابع حتى النھایة، ولیس متوقعا بالتالي أن یُقدم أي من الطرفین على حرق أي من الاوراق التي بیده، أو التخلي عن مكامن قوته على الساحات المتواجد فیھا، وفي مقدمھا لبنان، بما يشكله من موقع حساس في استراتیجیة هذه المواجھة والذي بدأت المخاوف الفعلیة تقوى باتجاه أن یتحول لبنان إلى مسرح للضغط الكبیر القادم من كلا الطرفين.

السلطة من خلال تحديد موعد للاستشارات الملزمة تعتقد انها قامت بالشق المتعلق بها، فالمسار الذي وصل اليه لبنان يثبت انها قاصرة ومقصرة وعاجزة ولا يعول احد على ولادة جديدة للبنان من رحمها، اما المصير، مصير لبنان الدولة والكيان فيحتاج الى تموضع جديد وهو ما يعمل عليه البطريرك الراعي والذي لاقى اصداء ايجابية لدى كل وطني وحر، وهو ما اشار اليه رجل الاعمال بهاء رفيق الحريري في اكثر من موقف، ان الحل الوحيد المتبقي امام لبنان هو التأسيس لمرحلة جديدة خارج هذه المنظومة الحاكمة.