
الحوثيون
تكشف القراءات الأخيرة لخريطة التحركات الإيرانية في المنطقة عن تحول بنيوي حاد في إدارة طهران لمصطلح ما تبقى “وحدة الساحات”. ووفقاً لمعلومات “صوت بيروت إنرتناشيونال”، تتجه القيادة الإيرانية نحو إعداد وتأهيل جبهة جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) في اليمن لتكون بمثابة البديل والتعويض الاستراتيجي عن “حزب الله”. هذا التكتيك لا يستهدف فقط إعادة التوازن لميزان القوى الإقليمي، بل يسعى بالأساس إلى حماية الحزب وتفادي توجيه ضربة قاضية ومباشرة له من قبل إسرائيل، ضمن استراتيجية تقوم على ابعاد الحزب عن خط نهايته، واستخدام الأوراق الإقليمية كالحوثيين التي لم تُطرح دفعة واحدة خلال الجولات العسكرية الممتدة، وذلك لإطالة أمد معركة الصمود وامتصاص زخم الضربات المتتالية.
وفق المعلومات، تأتي هذه التحركات على ضوء التقييمات الأخيرة الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني، والتي تشير صراحة إلى أن الوضع الميداني والهيكلي لـ “حزب الله” وصل إلى مستويات حادة من الإنهاك بعد المواجهات الأخيرة، مما يجعل قدرته على فرض معادلات جديدة أو خوض حروب استنزاف مفتوحة أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الراهن. في المقابل، يُنظر إلى الجبهة اليمنية كخيار أكثر جاهزية؛ إذ لم تُستنزف القوة العسكرية للحوثيين بالقدر ذاته، فضلاً عن امتلاكهم ترسانة ضخمة ومتنوعة من الأسلحة وخطوط إمداد معقدة تمنحهم هامشاً أكبر للمناورة العسكرية والضغط الجيوسياسي.
ومع ذلك، فإن الاستناد إلى “الورقة الحوثية” كبديل جاهز يحمل في طياته مخاطر استراتيجية كبرى لا تقل خطورة عن خيار المواجهة المباشرة عبر لبنان. إن محاولة طهران استسخاف المعادلة وتحويل الحوثيين إلى “حزب الله ثانٍ” ستنقل ثقل المواجهة الدولية والإقليمية بالكامل إلى الساحة اليمنية. هذا الانتقال سيعرض قدرات الجماعة لضربات مكثفة وقاسية من أطراف متعددة، مما قد ينتهي بها إلى المصير ذاته: الاعتماد على ميليشيا تم استهلاكها تدريجياً حتى أصبحت حلقة ضعيفة في سلسلة النفوذ الإيراني.
في النهاية، تعكس هذه القراءة أزمة خيارات حقيقية لدى القيادة الإيرانية؛ فالمفاضلة بين حماية العمود الفقري لنفوذها في البحر الأبيض المتوسط (حزب الله) وبين التضحية باستقرار ومستقبل جبهتها الجنوبية في البحر الأحمر (الحوثيون)، تشير إلى أن سياستها قائمة على إدارة الأزمات بالقطعة بدلاً من امتلاك زمام المبادرة. وبينما تحاول طهران الحفاظ على أوراقها عبر إعادة توزيع الأدوار، يظل السؤال قائمًا: هل تستطيع الساحة اليمنية تحمّل تبعات البديل، أم أن استراتيجية “الترانزيت” العسكري لن تؤدي إلا إلى تسريع استنزاف كافة الأذرع بالتتابع؟