استمع لاذاعتنا

بومبيو نعى المبادرة فهل يخسر ماكرون كل ما يملك في زواريب السياسة اللبنانية؟

في موقف اميريكي هو الاوضح على الاطلاق منذ ان صاغ الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مبادرته لحل الازمة اللبنانية، حيث لفت وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو أن “الولايات المتحدة ستمنع ايران من تزويد حليفها حزب الله بالسلاح والحصول على اسلحة روسية وصينية ما قد يؤدي الى نسف جهود الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في لبنان”.

لقد اخطأت الحسابات التي ظنت للحظة ان “المبادرة الفرنسية” التي طرحها ماكرون لحل الازمة اللبنانية تحصنت بزخم العقوبات الامريكية التي طالت في اولى مراحلها الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فينيانوس، المصنفان (صف ثاني)، والتي من المرتقب ان تطال في مرحلتها الثانية رؤوساً كبيرة، اي قادة الصف الاول.

فبالعودة الى الساعات الاولى لتكليف مصطفى أديب، بإجماع اُطلق عليه انه “وطني”، وخلال انكباب الرئيس سعد الحريري ومعه عرابي تسمية اديب على تشكيل “حكومة ماكرون”، التي رضخ لها الجميع في بادىء الامر نتيجة العصف القوي الذي سببه انفجار مرفأ بيروت، اطلقت واشنطن رسالة عابرة للقارات، طالت شظاياها كل قاطني القصور والازقة التي تدار من داخلها الازمة اللبنانية المستعرة، بدءاً من قصر عين التينة وضواحيه مروراً بقصر الشعب في بعبدا واللقلوق وبيت الوسط وصولاً الى قصر الايليزيه.

ورغم التصدعات التي طالت جدران هذه القصور والازقة مرة بفعل عصف انفجار المرفأ، ومرة بفعل الرسالة الامريكية (العقوبات) ودفعت القاصي والداني للتأكيد بأن الرسالة الامريكية وصلت، وحده سعد الحريري وجد نفسه ماضٍ قدماً، متمسكاً بالخيار الفرنسي او بالمبادرة الفرنسية حتى الرمق الاخير، وذلك بعد تفاقم مشكلته مع السعودية، وميل واشنطن إلى رؤية الرياض في لبنان.

الحريري ومعه رؤساء الحكومات السابقين يبدو انهم تعمدوا التجاهل بان المراد من العقوبات الامريكية هو فرملة المبادرة الفرنسية (رغم ان الجميع خرج ليهلل بالظاهر لها)، لكن من وجهة نظر واشنطن التي بدت واضحة للقاصي والداني، فان باريس تخطت الحدود المتاحة لحركتها في لبنان ، كما ان التوغل الفرنسي الطارق في شرق البحر المتوسط كقوة أولى فاعلة سیاسیا فيه بعد خروج بریطانیا من الاتحاد الأوروبي، وسعي ماكرون لتأسیس استراتیجیة جدیدة في منطقة الشرق الأوسط تكون فرنسا محور قیادتھا في عالم تعیش فيه أوروبا حالة من الضياع، واندفاعة سيد الاليزيه للتحرك في كل الإتجاھات، من شرق المتوسط الى غربه، اي من لبنان الى العراق، ومن لیبیا الى دول الساحل والصحراء الأفریقیة.

وفي ھذا الإطار تندرج تحركات ماكرون المكثفة في لبنان ورحلاته المكوكیة، ووعوده بتعبئة جھد دولي لإخراج لبنان من ازماته السیاسیة والمالیة، وإعادة بناء الدولة في معركة عنوانھا “الفساد”، ووعوده ايضاً بإخراج العراق من التدخلات الإیرانیة والأمیركیة، في معركة شعارھا “السیادة”، بدا ان ماكرون يلامس في البلدين الوجود الإیراني ویطمح الى أن یلعب دور العازل بین إیران وأمیركا، وهذا من وجهة نظر واشنطن امر فاق كل السقوف.

الواضح حتى الساعة ان ماكرون يتصرف وكأنه لم يتنبه كي لا نقول تجاهل ان واشنطن لم تستسغ الحركة الفرنسية بشكل عام، ولا ما يسمى بالمبادرة لحل الازمة اللبنانية بشكل خاص، كما لم تستسغ مواقفه الإيجابية إتجاه ​حزب الله​، وهذا ما دفع بواشنطن لتوجيه رسالتها الاولية ومفادها أنه لا مجال للانفتاح على حزب الله إلا من خلال الاستراتيجية التي تعتمدها المؤسسات الامريكية لتضييق الخناق عليه ولإجباره على الانكفاء إلى الداخل اللبناني ووقف تدخّله في الشؤون الداخلية العربية و زعزعة استقرارها هذا من جهة، ومن جهة ثانية ووفقاً لتصريح احد كبار المسؤولين الأميركيين لصحيفة وول ستريت جورنال، فإن المؤسسات الامريكية تريد الاستفادة من رد الفعل السياسي لتشكيل حكومة تكنوقراط فعلية، وجديدة قادرة ومستعدة للتصدي للفساد وعدم الشفافية وضعف المساءلة التي تسمح بتمويل الإرهاب وبازدهار غسل الأموال في البلاد،في ظلّ وجود استخفاف لبناني عريض بقدرة أي حكومة جديدة على تغيير الواقع.

الرسالة الامريكية الاولية خلطت اوراق المبادرة الفرنسية وبالامكان القول انها قد تؤدي في الساعات القليلة المقبلة الى تطييرها خاصة وان المهلة الفرنسية الممنوحة للساسة اللبنانيين من اجل تشكيل حكومة “ايمانويل اديب” انتهت صباح اليوم الواقع فيه ١٥ ايلول فيما العراك اللبناني على الحصص والمغانم ما زال مستمراً (وزارة المالية مثالا).

ووفقاً لما تقدم، فالواقع يشير الى ان واشنطن لا تأبه ان سُحبت المبادرة الفرنسية من التداول، ولا تأبه ان قطعت الطريق على إيجاد البدائل لإنقاذ لبنان ووقف عجلة انزلاقه الى الهاوية طالما ان حزب الله لم يغير في سلوكه وينكفىء الى الداخل.

اما ايمانويل ماكرون الذي أقّر في طريقه إلى لبنان بأنّ ما يقوم به “رهان محفوف بالمخاطر” وقال: “انا أضع الشيء الوحيد الذي أملكه على الطاولة: رأسمالي السياسي”، والسؤال المطروح، هل يخسر ماكرون كل ما يملك في زواريب السياسة اللبنانية؟