الأربعاء 16 محرم 1448 ﻫ - 1 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

جنبلاط يمد طوق النجاة لـ "أرانب بري" من على ضفة النهر

يعيش لبنان اليوم مرحلةً مفصلية في جمهوريةٍ تشرذمت وانقسمت إلى ساحات، تبدّلت فيها التحالفات مع المتغيرات الدولية والإقليمية. إنها مرحلة لا تشبه، في قسوتها أو غموضها، أي تسوية سابقة شهدناها، فالقواعد التي اعتاد السياسيون الاستناد إليها تبدّلت كليًا بعد أحداث السابع من أكتوبر، يوم قرر “حزب الله” فتح جبهة المساندة لـ”حماس”، شريكته في “المحور”، من الجنوب اللبناني، مُدخلًا لبنان بأسره في نفق مظلم لم يخرج منه إلى يومنا هذا.

لم يدرك الممانعون أن الواقع الإقليمي قد تغيّر، وأن الساعة الرملية لتلك الحقبة بدأت تنفد، معلنة انتهاء الزمن الذي سمح بتركيب المعادلات على مقاييس قديمة. فموازين القوى التي سيطرت على مدى عقود تغيّرت بصورة جذرية، بعدما سقط نظام بشار الأسد، الذي أدار، بالوكالة والزيف كما فعل والده حافظ، ما كان يُطلق عليه “دولة الصمود والتصدي”، واضعًا الفصائل والحركات المسلحة المختلفة تحت قبضته دعمًا للقضية الفلسطينية. أما غزة اليوم، فأصبحت في عهدة “مجلس السلام العالمي”، الذي بدأ أمس خطواته الأولى نحو تنفيذ ما رُسم في صفحاته الموقعة في القاهرة.

هذه المتغيرات لم تكن مجرد محطة عابرة، بل هي بداية “الشرق الأوسط الجديد” الذي تصدّر عناوين الصحف على مدى عقود. فقد انطلق قطاره يوم غامر يحيى السنوار ورفاقه بغزة وأهلها، وانتقلت شرارته إلى جنوب لبنان، الذي كان محور الممانعة يعلم أنه دخل آتون النار وحيدًا، فيما غادر حلفاؤه في السياسة مركبه لإنقاذ أنفسهم من محور بات من المؤكد أنه سيخرج من قطار التسويات.

يرزح جنوب لبنان اليوم تحت واقع لم يعهده في تاريخه؛ دمار هائل غيّر معالمه الجغرافية وبنيته في مختلف جوانبها، وطبع قراه، من الحافة الأمامية وصولًا إلى صور والنبطية، بذاكرة لم يشهدها حتى في أقسى الاجتياحات التي اختُتمت عام 2006. إننا أمام واقع إقليمي جديد غابت فيه ركائز أساسية كانت تشكّل هيكل المحور الذي أسسته طهران، ونصّبت نفسها “الولي” عليه، من العراق مرورًا بسوريا وصولًا إلى لبنان، حيث ترعرع “حزب الله”، ركيزتها الإقليمية في قلب الشرق الأوسط.

بات من المسلّم أن المتغيرات في المحيط انعكست على الداخل اللبناني، الذي يواجه اليوم واقعًا جديدًا بعد انفراط عقد الحلفاء الذين استفادوا وأفادوا هذا المحور بخطاباتهم على المنابر، وبرفع الأيدي للتصديق على المكتسبات التي حققت لهم حضورًا على الساحة. تلك الساحة غادروها مع أول موجة ضربت هيكل المحور، بعدما أدرك معظمهم أن المعادلات التي حكمت لبنان منذ “اتفاقية القاهرة” باتت في ذمة التاريخ، مع تلاشي أوراق الضغط القديمة وسقوط الرهانات التقليدية، ليجدوا أنفسهم أمام واقع يفرض عليهم البحث عن خيارات وجودية جديدة.

وفي قلب هذا المشهد المأزوم، يبدو رئيس مجلس النواب، نبيه بري، بـ”أرانبه” السياسية التي اعتاد استخراجها ببراعة لتمرير التسويات، غير قادر على الإمساك بزمام المبادرة كما في السابق. فقد انحسر دوره “كوسيط” أتقنه على مدى سنوات، يوم لم يكن “لصوت يعلو على صوت مطرقته” التي كان يرفعها في وجه المعارضين، ليجد نفسه اليوم وقد غادر ساحة المناورة، متموضعًا بشكل مكشوف إلى جانب توأمه “حزب الله”، ليصبح هو نفسه جزءًا من مأزق المحور الذي يمثله.

في هذا التوقيت الحرج، الذي فرض جلوس لبنان إلى طاولة التفاوض مع إسرائيل بتصميم وإصرار أميركيين، أدار “البيك” وليد جنبلاط محركاته التسووية لمساندة حليفه الرئيس بري، الذي خاض معه سنوات من التحالفات والخصومات المتقلبة، عبر تغريدة أعاد من خلالها إحياء اتفاق الهدنة لعام 1949 لضبط العلاقات مع إسرائيل، معتبرًا إياه جزءًا لا يتجزأ من “اتفاق الطائف” المذكور في خطاب القسم والبيان الوزاري.

ولفهم هذه التحولات الجنبلاطية التي تحاكي تقلبات الزمن، كان لا بد من العودة إلى ذاكرة أحد المخضرمين الذين عاصروا أدق مفاصل تاريخنا، واصفًا مواقف وليد جنبلاط الأخيرة بأنها تدخل في إطار المثل القائل: “يحق له ما لا يحق لغيره”، مستعيدًا المشاهد التي طبعت ذاكرة الجبل، والقدرة العجيبة لـ”البيك” على التنقل بين الضفاف بحرفية.

جنبلاط واللعب بين التوازنات

يرى محدّثي أن السلوك الجنبلاطي تجاه المكونات اللبنانية الأخرى تأرجح، على مدى سنوات، بناءً على حسابات دقيقة. وهنا لا بد من العودة إلى عام 2005، حين كان جنبلاط أول من استشعر بدقة حجم الكتل الشعبية التي رافقت عودة العماد ميشال عون من منفاه، مطلقًا عليها وصف “التسونامي”. وقد أثبتت الأيام صوابية هذه القراءة، إذ تجسدت فعليًا في جرف انتخابي داخل صناديق الاقتراع، ثم تحولت إلى “تسونامي سياسي” عقب تفاهم “مار مخايل” الذي وقعه عون مع الأمين العام لـ”حزب الله”، حسن نصر الله، وتأمّن من خلاله الغطاء المسيحي الماروني الوازن الذي ثبّت القدرات الاستثمارية للحزب في مقدرات الدولة.

ويتابع محدّثي كلامه، مستعيدًا المحطات التي طبعت علاقة جنبلاط بالقوى المسيحية، ولا سيما بعد المصالحة التاريخية التي أرسى دعائمها مع البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير، والتي لم تمنع استمرار التجاذبات مع هذه القوى، إذ شهدت العلاقة مدًّا وجزرًا حكمتهما العلاقة مع الرئيس بري. وفي المقابل، كان جنبلاط يبدي انضباطًا واقعيًا ومهادنةً حذرة أمام صعود القوة السياسية والعسكرية للشيعية السياسية، مدفوعًا بتقدير ميداني يشير إلى اختلال ميزان القوى، بعدما استشعر خلو الساحة المسيحية من أوراق القوة الحقيقية التي تلاشت في صراعات السلطة والمحاصصة.

خيار الهدنة

إن التحولات في الخطاب الجنبلاطي، وفق محدّثي، تكاد تكون السمة الأبرز في مسيرته. ولعل الشاهد الأكبر على ذلك هو المحطة التاريخية في 14 فبراير/شباط 2007، عندما اعتلى منبر ساحة الشهداء، ملقيًا خطابًا تجاوز فيه كل السقوف الدبلوماسية، واصفًا نظام بشار الأسد بأنه “الحوت الذي لفظته البحار”. غير أن تلك السقوف المرتفعة انخفضت تدريجيًا لتبلغ خواتيمها في زيارته الشهيرة إلى دمشق عام 2010، مغلّبًا الواقعية السياسية على إرث الانتقام الذي أملته موازين القوى آنذاك، ففُتحت صفحة جديدة فرضتها التسويات الإقليمية.

ويختم محدّثي كلامه باستحضار ما ردده “البيك” عن انتظاره على “ضفة النهر مرور جثة عدوه”، وهي المقولة التي تفسر قدرته المعهودة على الانحناء أمام العواصف دون الاعتراف بالهزيمة المطلقة، مستندًا إلى نفس طويل في ترويض الوقت والخصوم. لكن يبدو أن ضفة النهر اليوم لم تعد مكانًا آمنًا للانتظار، فالبيك يدرك أن صديقه الرئيس بري وهو باتا عالقين بين حليف محلي وإقليمي شرس لن يقبل بأنصاف الحلول، وبين ضغوط أميركية صارمة. وهذا ما دفعه إلى طرح مبادرة إحياء اتفاقية الهدنة، لعلها تشكل مخرجًا سياسيًا يحاول تسويقه لتخفيف وطأة الضغوط. غير أن هذه الدعوة، التي تبدو كـ”هدنة هروب”، تظهر في جوهرها محاولةً للالتفاف على الواقع المعقد، في وقت يبدو، من خلال موقف الراعي الدولي، أنها لم تعد صالحة للتطبيق، ما يضعها في خانة المناورات السياسية الهادفة إلى تقطيع الوقت بانتظار جلاء غبار المعارك الكبرى التي ما زالت تلوح في الأفق.