استمع لاذاعتنا

دهاء حزب الله السّياسي وتبديل الأحلاف !

كان لا بُدّ خلال أزمة لبنان الإقتصاديّة والسياسيّة، والحالة المزرية الّتي يعيشها شعبه، والقرار الدّولي الحاسم في إنهاء حقبة طويلة مضت على أعقاب التّحايل على النّاس، أن تتبدّل التّحالفات السياسيّة بين أقطاب الطوائف والمواطنة الحزبيّة …

مُذ إبرام تفاهم مار مخايل بين حزب الله والتّيار الوطني الحرّ، وبعد إخراج الإحتلال السوري من لبنان، وتمدّد باع حزب الله في السياسة اللّبنانيّة، كان هناك هدفان، لكلٍّ في جهته، حيث أراد رئيس التّيار الوطني الحرّ في وقتها “ميشال عون” أن يحقّق طموحه الّذي رسمه في الثّمانينات ولم يقدر، وهو الوصول إلى سُدّة الرّئاسة الأولى، وكانت نظرته ثاقبة، ورأى ما لم يرَهُ أحد، أي التّغلغل الإيراني عبر حزب الله، المخالف لمبادئه الّتي أشبع مناصريه بها، حيث كان رأس حربة هجومه على “ولاية الفقيه” وفكرها المُرسى بأفعاله بعد تاريخ السادس من شباط منذ العام ٢٠٠٦ …

أطبق حزب الله على مفاصل الحكم في لبنان، بسببٍ رئيسي هو الغطاء المسيحي لسلاحه المُؤَمّن من “ميشال عون”، رئيس الجمهوريّة الحالي بعد سنتين ونصف من التعطيل الحكومي بفعل سلاح إيران في لبنان، أي سلاح حزب الله، أو ما يُطلق عليه “سلاح المقاومة”، ليُحفّز تبرير إقتياده لقرار لبنان السّيادي بواسطته، بمُسوّغين إثنين، وهما، مزارع شبعا وتلال كفرشوبا الّتي ما حاول تحريرها يوماً، والقدس الّذي تركه من يحيطونه -حلفاء حزب الله والمُموّلون إيرانيّاً- في البقعة الجغرافيّة الضيّقة ليبحثا -كلاهُما- عنه في سوريا والعراق واليمن والبحرين مقوّضين علاقات لبنان الدبلوماسيّة واضعينه على جمر الإنحدار والمجون السّياسيّين، بعد أن خطّ “ياسر عرفات” طريقه في جونية غابراً …

وصل “عون” إلى الرّئاسة ليحلّ مكانه في التّيّار “جبران باسيل”، صهره، بآليّة التّزكيّة لا بآليّة الإنتخابات، وبدأ الأوّل يُعبّد طريق “باسيل” كخلفٍ له في القصر الجمهوري، عَوضاً عن العمل بتطبيق الدّستور وإنتشال اللّبنانيّين ممّا يرزحون تحته من صعاباتٍ وقسَوات، إلى تاريخ “١٧ تشرين” الّذي بدّد آماله وفرض قواعد تحالفات جديدة، حيث تغيّر الخطاب الباسيلي ومن يناصره إزاء حليفه “المقاوم” كما كان يقول عنه، وطبعاً لغرضين، دفع عقوبات الولايات المتحدة الأميركية عن “جبران” وتثبيته رئيساً يعقب “عون”، وهذا الأمر غير الغائب عن الشيعيّة السياسيّة جهّز لقاعدة جديدة وغطاء أحدث، محاولين تلافي الأخطاء السابقة …

لم يربأ عقل “حزب الله” عن المسار السّياسي الحالي، بل كانت رؤيته أعمق وأبعد، خاصّةً بعد تضاؤل حجم الحاضنة الشعبيّة للتّيّار، فجنح إلى سدّ الفراغ المسيحي قبل حصوله، وبمبدأ تقاطع المصالح، والتجارة بالشعب والمصير، إسترسل بحياكة ترتيباته من أجل إستقطاب خصمه المسيحي الأقوى، “القوات اللبنانيّة”، ولكن بحنكة أكبر، فيبقى مناوئاً له في العلن وحليفه سرّاً، على مبدأ التّقيّة خصوصاً في ظلّ النّقمة الشعبيّة والضّغوط الدّوليّة وتخوين كل شيعي رسّخ العيش المشترك معهم، وهذا ما إستدعى خبر جريدة الأخبار عن “القوّات اللبنانيّة” من أجل دحض وإبعاد كل ملامح التقارب لدى مؤيّدي الحزبين، وبهذا يُعيد تفاهم “مار مخايل” نفسه بأهداف واحدة ولكن بتقنيّة أعلى، تتعارض حكوميّاً على عودة “سعد الحريري” وربّما غيره، لترسم سرمديّة الأيديولوجيّة الإستراتيجيّة عند مختلف الأفرقاء …

في قراءة للبنود الأميركيّة السّبعة المطروحة على لبنان من أجل دعمه وتسهيل إلتزامات “سيدر” وتليين موقف صندوق النّقد الدّولي وتأمين المساعدات الماليّة، نجد أنّ كلّها لن يوافق عليها حزب الله ما عدا بندٍ واحدٍ، وهو تغيير القوانين اللبنانية المتعلّقة بتجريم المثليّة الجنسيّة، فيُصار إلى جوازها قانوناً، ولبنان محتلّ إيرانيّاً عبر حزب الله، والنّظام فيه هو نظامه، وهو لا يهتمّ لهذا الأمر بل ويستطيع إيجاد المخرج الدّيني من أجل إبرامه وإقناع النّاس به، وقد مهّد له الخميني قبلاً، وتلقائيّاً يرضى حزب الله بهذا البند على عكس باقي الشروط المعنيّة ببناء دولة قانون ومؤسّسات ومحاسبة الفاسدين، وهذا ما لن يسمح به بالطّرق السّهلة، جيث ربط السلاح بأمرين، حماية الفساد والمقاومة، مع العلم أنّ شعار حماية الفساد هو شعار لحمايته وهو من أطلقه، والمقاومة بدّلت جلدها وصارت إحتلالات إيرانيّة توسّعيّة، أي دخل حزب الله بعناوين عاطفيّة لإستمالة النّاس ومن ثمّ أسهب في إنفاذ أجندة إيران، وهذا ما يوضح أنّ هدفه وإسلامه هو سياسي توسّعي بغية السّيطرة …

تمّ شيوع المطالبة بالفيدراليّة والتّقسيم، وهذا ما يريده حزب الله، ولكن لم ينطق به، وراح يحاضر بالدّولة المدنيّة، إلتفافاً على آليّة تحرّر لبنان من السيطرة الإيرانيّة وإستعادة السيادة، فبالتّقسيم بظلّ السّلاح، ولو بقي ظاهريّاً في بقعة أو منطقة معيّنة، سيبقى قرار السّلم والحرب، والقرار المالي والمصرفي، والقرار الرّئاسي والنّيابي بيدهم فقط، وهو الأمر المدعوم بالتّحالف الجديد المخفي، وسيبقى لبنان محتلّاً إيرانيّاً …

حزب الله لن يطبّق الدّستور ولا الطّائف بسهولة، وهما الخلاص من الصّراعات والمسير في طريق بناء الدّولة، بحيث يستحوذان على البنود المطروحة في شروط الولايات المتّحدة الأميركية الّتي لم تُطبّق منذ ثمانيةٍ وعشرين عاماً، وهو إختار مبدأ التّحايل من أجل الإبقاء على سطوته والحفاظ على إقباضه بزمام الأمور …

السياسة هي عمل نبيل من أجل إقوائه وتصاعديّة وتيرة قطاعاته، وهي فن إستجلاب الخيرات للبلدان، وتقاطع مصالح عامّة، لا شخصيّة، وهذا ما لا يريده حزب الله، فإن حصل، لم تعُد إيران موجودة فيه …