
خريطة توضح الارتباط الجغرافي بين منقطة أرض الصومال ومضيق باب المندب (الجزيرة)
في خطوة وصفت بأنها “زلزال جيوسياسي”، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في السادس والعشرين من كانون الأول الحالي اعتراف بلاده رسمياً بجمهورية “أرض الصومال” كدولة مستقلة ذات سيادة. هذا القرار، الذي جعل إسرائيل أول دولة في العالم تكسر حاجز العزلة الدبلوماسية عن الإقليم الانفصالي منذ عام 1991، ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو “رأس حربة” في استراتيجية إسرائيلية جديدة تهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ من مرتفعات جنوب لبنان وصولاً إلى مضيق باب المندب.
وفق المحللين الاستراتيجيين، فإن الدافع الأول والأكثر إلحاحاً لهذا التقارب هو الأمن البحري، فمع تصاعد هجمات الحوثيين في اليمن ضد السفن المرتبطة بإسرائيل، وجدت تل أبيب نفسها أمام خطر وجودي يهدد ميناء إيلات وتجارتها مع آسيا، بالتالي، موقع “أرض الصومال” المطل على خليج عدن، بساحل يمتد لأكثر من 850 كيلومتراً، يوفر لإسرائيل “منصة مراقبة” مثالية. ومن المتوقع أن تشمل الاتفاقات السرية بين الطرفين إقامة محطات استطلاع استخباراتي، وربما قاعدة عسكرية في ميناء “بربرة” الاستراتيجي، مما يمنح إسرائيل القدرة على رصد المسيرات والصواريخ الحوثية قبل انطلاقها، وقطع خطوط الإمداد الإيرانية العابرة للبحر.
تاريخياً، اعتمدت إسرائيل استراتيجية “حلف الأطراف” للالتفاف على العداء العربي من خلال بناء علاقات مع دول غير عربية في المحيط مثل إثيوبيا وتركيا قديماً، واليوم، تعيد إسرائيل إحياء هذه العقيدة عبر “أرض الصومال”. من خلال الاعتراف بكيان يبحث بيأس عن الشرعية الدولية، تخلق إسرائيل حليفاً مديناً لها بالفضل في منطقة القرن الأفريقي الحساسة. هذا التحالف يكسر “طوق العزلة” الإقليمي ويمنح إسرائيل نفوذاً في منطقة تتنافس فيها قوى كبرى.
يرى محللون عبر موقع “صوت بيروت إنترناشونال”، أن السياسة الإسرائيلية في عام 2026 ستعتمد مبدأ “الأمن عبر التفتيت” فكما تسعى إسرائيل في جنوب لبنان إلى تحويل القرى الحدودية إلى “مناطق غير قابلة للحياة” لضمان أمن شمالها، فهي تدعم القوى الانفصالية في القرن الأفريقي لخلق كيانات صغيرة موالية لها، مما يضعف الدول المركزية الكبرى التي قد تتبنى سياسات معادية مستقبلاً. هذا الاعتراف يمثل ضغطاً مباشراً على مقديشو التي ترفض التطبيع ويحرج دولاً إقليمية أخرى مثل مصر التي ترى في وحدة الصومال ركيزة لأمنها القومي.
تستفيد “أرض الصومال” من هذا الاعتراف بالحصول على تكنولوجيا أمنية وعسكرية إسرائيلية متطورة، وأنظمة تحلية مياه، واستثمارات في البنية التحتية والموانئ الذكية. في المقابل، إذ تشير تقارير صحفية إلى أبعاد أخرى “مثيرة للجدل”، تتحدث عن تفاهمات قد تشمل تعاوناً في ملفات إنسانية أو سياسية معقدة تتعلق بترتيبات ما بعد الحرب في غزة، رغم النفي الرسمي لهذه الادعاءات.
ويضيف المحللون أن “دخول إسرائيل رسمياً إلى ساحة “أرض الصومال” قد يحول المنطقة إلى ساحة اشتباك دولي. فقد سارع زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، لاعتبار أي تواجد إسرائيلي هناك “هدفاً عسكرياً مشروعاً”، مما يعني احتمال انتقال الصراع من ضفة اليمن إلى ضفة أفريقيا. كما أن هذا التحرك يعزز “المحور الثلاثي” إسرائيل-إثيوبيا-أرض الصومال، وهو ما يثير قلق بعض الدول بشأن التوازنات المائية والأمنية في البحر الأحمر.
ويشدد المحللون على انه لم يعد البحث الإسرائيلي عن موطئ قدم في “أرض الصومال” ترفاً دبلوماسياً، بل هو ضرورة جيوسياسية لعام 2026. إنها محاولة لإيجاد “عمق استراتيجي” بديل بعيداً عن حدودها المشتعلة، وتحويل البحر الأحمر من ممر للتهديدات إلى ساحة للسيطرة والردع.