
مبنى متضرر في أعقاب الغارات الإسرائيلية، في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان. رويترز
تعيش منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي مرحلة “مد وجزر”، حيث تبدو المواجهات من دون حسم، وآخرها ما جرى على الجبهة اليمنية؛ والتي مكنت الحوثيين من التمدد باتجاه باب المندب. غير أن المعطيات تؤشر إلى أن الجبهات الداخلية في اليمن تشهد نوعاً من “الكر والفر”، في وقت تقف فيه الولايات المتحدة كمراقب للمشهد دون تدخل عسكري، للإفراج عن بوابة اقتصادية تشكل عصباً أساسياً للعالم، رغم إعلان الحوثيين سماحهم بعبور سفن الشحن باستثناء تلك التي تعود للمملكة العربية السعودية.
هذا المشهد يشي بأن المنطقة ستبقى في غرفة العناية الفائقة بانتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية كمرحلة أولى، والتي بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد لها وهو يحمل بيده ورقة “حزب الله”. ولئن كانت طهران هي من تتحكم في هذه الورقة، إلا أن ما يهمه هو تأمين خاصرته الشمالية، بينما قد يأتي التعامل مع طهران لاحقاً. ولذلك فهو يستمر في تثبيت مكاسبه التي حققها، ويحاول الضغط على الدولة اللبنانية بشكل مستمر لتأخير الجلوس إلى طاولة التفاوض مرة أخرى لحين امتلاكه أوراق ضغط أكبر. وما عزز حظوظ عدم انعقاد طاولة المفاوضات هو إعلان رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، في زيارته الأخيرة إلى النبطية، عن توقفها.
هذه المعطيات لا تؤشر إلى أن الحل بات قريباً، بل ستكمه المعادلة الانتخابية ليس فقط في إسرائيل، وإنما في الولايات المتحدة التي تختلف حساباتها واعتباراتها عن حسابات نتنياهو. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب تتحكم في مشهد انتخابات حزبه الجمهوري ديناميكيات مختلفة؛ إذ ترتبط بالداخل الأميركي وأسعار الطاقة التي تتأرجح صعوداً وهبوطاً وإن تُؤمِّنت عبر فنزويلا، فالدورة الاقتصادية التي ستعيشها باقي الدول ترخي بظلالها على الساحة العالمية برمتها. أما الاعتبار الثاني فهو خارجي، كون ترامب يخرج بشكل متكرر ليعلن تغيير أسماء المضائق ليضع عليها لافتة تحمل اسمه، وهو يدرك أن لا ولاية ثالثة له -رغم ما يوحيه دائماً في تغريداته على منصته “تروث سوشيال” بتحقيقه إنجازات تاريخية- فعليه تأمين استمرارية الجمهوريين، ولذا فهو يسعى إلى منع الديمقراطيين من تحقيق نجاحات تسمح لهم بوضع العصي في عجلات مشروعه للمنطقة.
من هنا يطرح السؤال نفسه: ما هي حسابات ترامب أو مخططه للمرحلة المقبلة؟ هل يتحرك قبل الانتخابات في نوفمبر، أم أنه سيترك المنطقة تتخبط لحين جلاء المرحلة الأولى من الانتخابات النصفية؟
يمكن القول إن ترامب في كلا الحالتين سيكون رابحاً على الصعيد الشخصي؛ فهو يملك القرار حتى ولو خسر الجمهوريون، لأنه عندها يمكنه إلقاء الأعباء المترتبة على خوضه أي مواجهة على عاتق الديمقراطيين الذين لا يمكنهم تقييد قراراته.
من هنا تبرز المعادلة الخطيرة؛ فإيران تعد عنصراً مركزياً في تحديد مسار العامين الأخيرين لترامب. فهو يلمح تارة إلى أن الحرب قد تنتهي بعد الانتخابات، ويبرر تارة أخرى عدم لجوئه إلى تصعيد أكبر في الوقت الحالي خشية انعكاساته على الناخب وأسعار الوقود واستقرار مرشحي حزبه الجمهوري. لكن ما بعد الانتخابات قد يحمل سيناريو مغايراً تماماً، ويدفع بترامب إلى إقفال هذه الجبهات، وهو ما حضّر له في أكثر من بقعة… ففي طهران لم يعد هناك مرشد وولاية فقيه؛ لأن المعطيات بعد اغتيال خامنئي تؤكد أن وريثه مجتبى لا يملك قدرة القبض على السلطة وحصر قرارها فيه، في ظل انهيار اقتصادي وعسكري لم يشهده “نظام الملالي”. وإن تمكن الحرس الثوري من إحداث بعض الخروقات العسكرية هنا وهناك، فمشروعه انهار وبقي على شكل هيكل ينتظر السقوط النهائي.
في الختام، لا بد من الإشارة إلى أن التحليلات تتباين بشأن نوايا ترامب؛ فالبعض يرى أن عدم تدخله عسكرياً ضد الحوثيين هو عملية استنزاف لجميع الأطراف، بانتظار ما سيؤول إليه الوضع الداخلي في إيران، التي تسربت من بين قبضتها ورقة مضيق هرمز بشكل كبير ولم تعد بطاقة تهديد فاعلة. عملياً، يمكن الاستنتاج أن نظام الملالي في طور التحلل، وأن ترميم هيكليته لا يمكن أن يعيد الروح إلى شعار الخميني المؤسس؛ لأن الثورة المزعومة تقطعت أوصالها ولا يمكن إعادة الروح إليها بعدما فقدت أعمدتها البشرية والجغرافيا التي كانت تسيطر عليها على مدى عقود.