الجمعة 15 جمادى الأولى 1444 ﻫ - 9 ديسمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

قصة قصيرة: الشيعة دورة موت بين حياتين!

يحاكي الواقع اللبناني صوراً غير إنفصاليّة عن مجريات التاريخ، ويكتب بقلمه مفترق مفصلي، بين حقبة وأخرى، ينضوي ضمن جداريّات ووثائقيّات تبديل الأمم، الأمم التي يحسبونها أنّها لن تنتهي، وهي ما وُلدت إلّا لتنتفي، ويبقى منها بعض ما ستعرّج على ذكره النصوص، هي قصّة قصيرة وشرح تفصيلي عن الواقع الشيعي، والعبرة في الخواتيم …

عقب إغتيال “مصطفى بدر الدّين”، المعاون الأمني لِ “حسن نصر الله”، وبدء تكشّف ملابسات وتفاصيل القضيّة في الأوساط الشيعيّة، وذلك عبر إحدى الصّفحات التي يُديرها نجل “بدر الدّين” شخصيّاً، بمحاكاة سرديّات أبعدت الشّبهات عن مالك الصفحة الّتي إتّهمت “نصر الله” و “حزب الله” و “قاسم سليماني” بتخطيطهم المُسبق للعمليّة، وعملت على بثّ الرّيبة في الصّف الأول لدى قادة “حزب الله”، بعد أن تحدّر نعته في بيئته، وقتذاك، بِ “حزب العوائل” …

لم يكن غريباً ما جرى، ففي الفترة الأخيرة لم يتوانَ “بدر الدين” عن تهزيئ شخص “نصر الله” في جلساته، بعبارات تسخيفيّة، نظراً لمشاكل قديمة فضّل الأخير فيها “عماد مغنية” على “بدر الدين”، ولهذا سارع الحزب إلى تسكيت أصوات المعارضين، الّذين يُعدّون من نواته؛
وكما هو المعلوم بأنّ “بدر الدين” كان يحوطه ثلّة من مسؤولي وسياسيّي “حزب الله” يتمتّعون بإمتيازاتٍ تفضّلهم عن غيرهم من نظرائهم، حيث لمعت نجومهم عقب مقتل “مغنية” عام ٢٠٠٨ …

ما برح أن شاع خبر مقتل “مصطفى بدر الدين”، حتى سارعت إيران بتوجيه أمرها لحزب الله بتعيين “أبو مصطفى الأشقر” مكانه في منصب المعاون الأمني المرمّز ب “١١٠”، ليُصار حينها إلى إقصاء “عباس رعد”، الشهير بِ “سراج”، وهو إبن النائب “محمد رعد” وذي التاريخ الدّموي الحافل، عن العزّ -على حساب السوريّين الأبرياء- الّذي كان يحظى به في سوريا، والممنوح من قِبل “بدر الدّين”، ليتحوّر إلى يدي “مصطفى عماد مغنية” الشهير بِ “وحيد”، بمثابة تبدّل العوائل داخل ما أسمته حاضنة حزب الله بِ “حزب العوائل”، والوقود هم الضعفاء …

كرديفٍ يُضفي الحلاوة على إيقاع البطولات الدّونكيشوتيّة، لا بُدّ أن نستذكر النائب “محمد رعد” الّذي رفض وجود زجاجة نبيذ على مائدة الرّئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، وتمّ إنكار هذا الأمر من قِبل “عباس فنيش”، الصحافي السابق في قناة المنار، في حين أنّ “رعد” لم يرفض أن يكون وأبناءه ممّن ينتشون ويسكرون على دماء أطفال سوريا وبوجه الخصوص في منطقتي “الحجيرة” و “عقربا” …

يأتي طرح هذه الجدليّة في خضمّ التّخبّط الشيعي في لبنان، فهي بكلٍ ما تحويه من دلالات، لا تربأ عن تجسيد التّوصيفين الشائعين للحزب، الإحتلال الإيراني، وحزب العوائل؛ فبالأولى نعم ! هو إحتلّ العقول والأرض والمقدّرات وهيمن على مفاصل البلد، وبالثّانية يكون توكيد ما تعايشه البيئة الشّيعيّة بجميع مستوياتها وأطرافها، من شظفٍ للعيش ورهابٍ دائم، بمفارقة واحدة، هي تعدّد المحاور، وإجتماع الوعي بفئةٍ معيّنة …

إن رمق مناصرو إيران وحزب الله عمق ما يجري بمنظارين، منظار داخلي يُدرك الوقائع، ورؤية خارجيّة تُثبت لهم أنّهم مجرّد أدوات، سينتهي كلّ شيء، خاصّةً إن وجدوا الفروقات بينهم وبين المجتمع اللّبناني، حيث يطمح الفرد بذكر إسمه في التاريخ، ووصول الأمجاد، وركوب مسار التطوّرات والتّعاليم بمختلف مندرجاتها، على عكس تكهّل إطار بيئتهم، وإنتشار الجهل فيها على كافّة الصّعد …

لنتوقّف ولو لبرهة، وننظر أنّ تأسيس حزب الله جاء عام ١٩٨٢ بأجندة إيرانيّة واضحة، بصورة علنيّة في لبنان، ومبطّنة في الشرق الأوسط والشّق العالمي، برأس حربة شيعيّة، وآيديولوجيّة فارسيّة، رافقت الشّيعة في لبنان وتنامت يوماً بعد يوم، مع توسّع ظاهر دولي، أقبض على مصائر الشيعة، حزباللهيين وأحرار مستقلّين …

إثر الوجود الفلسطيني في لبنان، وبظلّ أوج قوّته وهيمنته على القرار السّنّي فيه، وغياب تأثير الكلمة المسيحيّة، وبروز الطابع الشيعي المتحكّم بإيران، عقب الثورة الخمينيّة، ومع إنسيابيّة أطلال الطّموحات الإيرانيّة في إعادة أمجاد “كسرى”، تزامناً مع الخراب اللبناني الحاصل بوقتها، إرتأت إيران بثّ نفوذها في لبنان عبر الطائفة الشيعيّة، المهيّأ شارعها بآثار “موسى الصدر”، الدينيّة والعسكريّة، بآليّة إعتمدت مبدأ الخفاء قبل أن تُشهر إلى العلن، ومشاورات واسعة ورصد إستخباراتي مطوّل، كان الحجر الأساس لما وصل إليه الأمن العالمي، بشموليّة طغت على جميع الأصعدة …

يسير حزب الله بالأمر الإيراني، مُذ إنشائه حتّى اليوم، وعاونه في البدايات الحرس الثوري الإيراني في لبنان، بالجانب التدريبي والتسليحي والعقائدي بشكلٍ أدخل على الفكر الشيعي تغييراتٍ جذريّة، فهجّنها، إلى جانب الموروثات الدّينيّة، ورغم الشعارات العريضة، إنقسمت الطائفة الشيعيّة عاموديّاً حيال التدخل الإيراني في لبنان، وكان هذا الشّقاق تظهّر من أوّل دقيقةٍ وطئ الحرس الثوري فيها الأراضي اللبنانيّة، لكنّ العقل الإرهابي، بالذّراع الأمني والمخابراتي، كان أقوى من شجاعة ونباهة المعترضين الشيعة، بسهم رئيسي هو بروباغاندا إعلاميّة واسعة، حجب أصوات الشيعة المناوئين، عن معرِض الذكر وصدد الصدارة، ساعده فيها الدعم الإيراني مقابل الوهن اللّبناني …

خفتت الأصداء الشيعيّة المطالبة بالرحيل الإيراني عن لبنان، لكنّها لم تتبدّل، وذلك إبان موجة الحملات الإعلاميّة المتعاقبة والمتواصلة المُعنونة بعمليات لحزب الله، قاحلة المضمون غنيّة المظهر، أي بمعنى أدقّ، للإستعراضات فقط، مهما كلّفت من دماء، بل وجب أن تُكبّد الدماء، لربط الشارع الشيعي أكثر فأكثر بإيران عبر حزب الله، وهذا ما أجّج شعور الإحباط لديه، فمنهم من هاجر، ومنهم من ما زال يخاف على مستقبل لبنان بوتيرة تتزايد يوماً بعد يوم، وساعةً تِلوَ ساعة، لأسبابٍ جمّة وخانقة

كما سائر دول الجنوب، تشغل الجالية اللبنانية جميع أرجاء العالم، وتُعنى بشؤون حوالي ثلاثة أضعاف سكان لبنان، وقسمٌ كبيرٌ منهم هم أبناء الطائفة الشيعيّة، نظراً للأحداث التي ما برحت تمرّ قُبيل وبعد الحرب اللبنانيّة عام ١٩٧٥؛
على غرار الذّكر الآنف للتّموضع اللّبناني، ينقسم الشارع الشيعي في لبنان إلى خمسة أقسام، تتفرّع لفئة مؤيّدين ومناصرين ومنخرطين في محور حزب الله وإيران على الأراضي اللّبنانيّة، يقابلهم في الضّفّة الأخرى أحرارٌ مستقلّون ينشطرون لجناحين، صامت متخفّي، ومعارض علني، جرّاء التضخيم الإعلامي الّذي يتمتّع به الحزب، ليوازيهم في بلدان الإغتراب ذات المنحى الإنتشاري، ما عدا شريحة الصّامتين، وذلك لحرّية الرأي ووجود الدّولة في تيك البلدان، فتكون المحصّلة الصفائح الخمس …

لم ينصف القدر من رفض فرض وجود حزب الله من الشّيعة اللبنانيّين، لينالوا نصيب ما إقترفت أيدي الحزباللهيّين، وذلك لتلاشي قدراتهم في أمام إيران ودعمها لأذرعها الشّتّى، بفارقٍ شعوريّ يُعدّ هو القضيّة الجوهريّة، حيث يرتاب الخطّ المعترض بأجنحته كافّة، على ضياع لبنان المحفور في المخطوطات البابليّة، وتمدير كيانه من قبل حزب الله، وإنتزاع هويّته العربيّة المنفتحة على الثقافات بإختلاف أنواعها، وتقويض دبلوماسيّة البلد من جانب الدّول التي لطالما رعته، بسبب إرهاب حزب الله، وإنهيار جماله وإقتصاده على يدي حنقه، المكتوم القيد الإنساني، وغير الموجود في لوائحها، إضافةً إلى الخوف الشّديد من نظرة العالم والشعوب له، فقط لأنّ القرار الشيعي يسيطر عليه الحزب، مع العلم هو لا ينتمي له، ولربّما هذه متلازمة بات يعيشها، أو حقيقة تجلّت بفائق عُهر الميليشيا الإيرانيّة، أجبرت الدول على الحذر من كل متحدّر من هذه البيئة، بصورة مضاهئة لها لدى المغتربين، لا تنفصل ولا تتأطّر تفاصيلها عن الموجودين على الأراضي اللّبنانيّة …

في سياقٍ متّصل، الظروف القاهرة في لبنان، وفي المناطق التي يسيطر عليها حزب الله، وتُصبغ بصبغته، لأنّه يعيش على اللّادولة، أرغمت الكثيرين من الّذين لا يطيقون وجوده، على التّماهي التمثيلي معه، أي التملّق له، خشيةً من إنقطاع أرزاقهم وكيل تهم التخوين والشّذوذ عن الأفق -مع العلم أنّ شذّاذ الآفاق تليق بحزب الله- إن إرتسمت ملامحهم الحقيقيّة لدى الكنتون الحزبي، وهذا ما دفعهم لأن يخونوا قناعاتهم وآرائهم ويرتضوا على أنفسهم الكذب، بهدف الإستمراريّة، ولو المتواضعة أو شبه المعدومة في الحياة …

هي الفرصة الأخيرة، في مخاطبة الوجدان الإنساني لدى الشّارع الشيعي بأجنحته، ليس بمعرِض لغة الطّوائف، بل بمعرِض أنّهم هم الخصم وهم المحكوم عليهم، ولا ممّن يصنّفونهم كأعداء، بل ممّن يُعجبهم قولهم في الحياة، ويرسمون إزدواجيّة الكارما بين قلوبهم وظاهرهم، وهم ألدّ الخصام …

كفى للمكارثيّة بالإتّهامات، إنّه الرّمق الأخير، عودوا لوطنكم !