الجمعة 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

ما بعد التراجع الكبير... "لاءات" طهران انكسرت

يبدو أن الدبلوماسية الإيرانية تمر بمرحلة “انعطاف اضطراري” تجاوزت فيه السقوف المرتفعة التي وضعتها في بداية التصعيد الإقليمي الأخير، ولطالما اعتمدت طهران على استراتيجية “حافة الهاوية” لانتزاع المكاسب، إلا أن تتبع مسار القرارات الأخيرة يكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب الأيديولوجي والنتائج على أرض الواقع، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نضجت البراغماتية الإيرانية تحت ضغط التهديدات الوجودية؟

بدأت الأزمة بسلسلة من “الخطوط الحمراء” التي رسمتها القيادة الإيرانية، إذ أعلنت طهران صراحةً أنها لن تقبل بأي حال من الأحوال وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، معتبرة إياه فرصة للخصم لإعادة ترتيب أوراقه. لكن، وبشكل مفاجئ، رضخت طهران لصيغة الهدنة المؤقتة، متخلية عن شرط “الوقف الشامل والدائم” الذي صدحت به منابرها لشهور.

ولم يتوقف الأمر عند حدود العمليات العسكرية، بل امتد ليشمل “سلاح الممرات المائية”، هددت إيران بإغلاق مضيق هرمز أو فرض قيود صارمة على الملاحة فيه، مؤكدة أن المضيق لن يعود للعمل بشكل طبيعي إلا بضمانات دولية مكتوبة تمنع عودة الحرب. ومع ذلك، شوهد تراجع لافت حين تم فتح الممرات البحرية تحت غطاء هدنة لم تتجاوز الأسبوعين، وبدون الحصول على الضمانات الأمنية التي وُصفت سابقاً بأنها “غير قابلة للتفاوض”.

اقتصادياً، لوحت طهران بفرض رسوم عبور على السفن المارة عبر المضيق، في محاولة لفرض واقع سيادي جديد وتأمين موارد مالية تحت ضغط العقوبات. هذا التهديد لم يصمد طويلاً أمام التحذيرات الدولية وضغوط القوى الكبرى، لتعود طهران وتتراجع عن القرار بصمت، متجنبة صداماً مباشراً قد يكلفها ما تبقى من قنوات تواصل اقتصادية.

أما الضربة الأكثر قسوة للبروبغاندا الإقليمية، فتمثلت في فشل صيغة “وحدة الساحات”،إذ أكدت إيران مراراً أن أي اتفاق يجب أن يشمل جميع الجبهات من غزة إلى لبنان واليمن، لكن الواقع كشف عن “انفصال” واضح؛ حيث سار الاتفاق في مسارات محددة بينما استمر النزيف في جبهات أخرى، لاسيما في لبنان، مما أظهر أن المصالح القومية الإيرانية العليا قد تتقدم على التزاماتها تجاه حلفائها في اللحظات الحرجة.

يمكن تلخيص التحول الحالي في النقاط التالية:

النظام الحالي يبدو مجبراً على تبني خطاب أقل حدة لضمان الاستمرارية.
التحول من “تصدير الثورة” إلى “حماية المركز” بأي ثمن.

هذه التنازلات قد تفتح الباب أمام تحولات بنيوية داخلية، حيث بدأت النخب الإيرانية تدرك أن الشعارات العابرة للحدود لم تعد صالحة للاستهلاك المحلي أو الدولي.

ختاماً، إن قبول إيران بـ “أنصاف الحلول” ليس مجرد تكتيك عسكري، بل هو إقرار ضمني بحدود القوة. النظام الإيراني يخرج من هذه الأزمة بملامح مختلفة؛ أقل راديكالية، وأكثر حذراً، وربما أكثر استعداداً لصفقات كبرى قد تعيد صياغة هويته السياسية في المستقبل القريب.