الأثنين 23 ربيع الثاني 1448 ﻫ - 5 أكتوبر 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

ما بعد "اليونيفيل".. أي قوة بديلة بعد نسف الخط الأزرق وجغرافيا 2006؟

بدأ العد العكسي لنهاية فصل امتدّ لثمانية والأربعين عاماً من وجود قوات “اليونيفيل” في جنوب لبنان؛ إذ دفعت واشنطن بشكل أساسي نحو عدم تجديد ولايتها، وإنهائها بقرار أممي يقضي بختام هذه المهمة مع نهاية عام 2026، على أن تبدأ مرحلة الانسحاب التدريجي لتنتهي كلياً بحلول عام 2027.

تأتي هذه الخطوة مع اقتراب إنزال الأعلام الأممية من المواقع التي انتشرت في محيطها أنفاق “حزب الله” ومخازنه؛ وهو ما أكدته تقارير ميدانية رصدت تلك الشبكات والبنى التحتية المحصنة بمحاذاة مراكز انتشار القوات الدولية، ووثقت رسمياً عبورها للخط الأزرق منذ عام 2018، وصولاً إلى عام 2025 الذي أُعلن فيه عن اكتشاف شبكة واسعة من الأنفاق والمخابئ في مناطق جنوبية عدة، لا سيما في محيط “طير حرفا” و”زبقين” و”الناقورة”.

هذه المعطيات الميدانية تطرح سؤالاً جوهرياً: **ما الذي ينتظر الجنوب بعد هذا الانسحاب؟** بخاصة في ظل التعقيدات المحيطة بطبيعة “البديل”، وبعد مشاورات دولية لم تفضِ حتى الآن إلى اتفاق نهائي بشأنه، رغم وجود مقترح طرحته الأمم المتحدة يتضمن ثلاثة خيارات لوجود أممي مصغر، ومقترح آخر (فرنسي – إيطالي) لتشكيل قوة متعددة الجنسيات.

غير أن معضلة “البديل” ليست التعقيد الوحيد؛ إذ يشكل الاشتباك الداخلي حول “اتفاق الإطار” عثرة أساسية أخرى. فرغم تمسك رئيس مجلس النواب نبيه بري الشديد ببقاء القوات الأممية كصمام أمان، واعتباره أن إنهاء مهامها يعد “أكبر جريمة وأكبر خطيئة ترتكب بحق الجنوب”، إلا أن رفضه للاتفاق يعني عملياً رفض الصيغة التي يقوم عليها المسار التفاوضي الحالي؛ وهو ما أكده مجدداً في ذكرى الإمام موسى الصدر حين أعلن تمسكه برفض الاتفاق، مشيراً إلى أن سبع جولات من التفاوض لم تصل إلى أي نتيجة.

أما ميدانياً، فالتعقيدات تبدو أشد حادة أمام فكرة “البديل”؛ إذ إن المشكلة لا تكمن في عدد الجنود أو جنسياتهم، بل في الجغرافيا الجنوبية ذاتها التي لم تعد تشبه تلك التي صاغت القرار 1701 عام 2006. اليوم، فرضت إسرائيل واقعاً أمنياً جديداً أطاحت فيه بالخط الأزرق، واستبدلته بخطوط جديدة “صفراء ورمادية”، ما يطرح تساؤلات ملحة حول الخط الذي ستتولى مراقبته القوات البديلة إن نجحت الدول في التوصل إلى اتفاق بشأنها. فالخط الأزرق قد اندثر، وهناك جغرافيا واسعة تنتشر فيها قوات الجيش الإسرائيلي، ما يجعل أي قوة جديدة مجبرة على حراسة واقع أمني فرضته إسرائيل، فضلاً عن غموض طبيعة مهام الفصل التي ستوكل إليها.

وفي خضم هذا الواقع الحدودي المتأرجح، يبرز التطور الأكثر خطورة وفق ما كشفت عنه تقارير صحفية إسرائيلية في الشهر الماضي؛ إذ استندت إلى تحركات لـ “الحرس الثوري الإيراني” يعمل خلالها على إعادة ترميم قدرات “حزب الله” عبر تنظيم هيكليته بشكل سري بعد الضربات القاسية التي تلقاها، لا سيما عقب اغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله وعدد كبير من قياداته التي تشكل العمود الفقري القتالي للحزب.

وتشير المعطيات المتداولة في تلك الصحف إلى دعم إيراني مباشر عبر مشاركة ضباط إيرانيين في إعادة بناء القيادة العسكرية، وتدريب المقاتلين، وإعادة هيكلة البنية التي تعرضت لاختراقات واسعة. يرافق ذلك انتقال إلى اللامركزية والتحول من النموذج الهرمي التقليدي إلى “خلايا صغيرة ومستقلة” لا تعرف إحداها تفاصيل الأخرى، ما يصعّب عملية شل القيادة بضربة واحدة. يضاف إلى ذلك اعتماد تكتيكات جديدة استخلصت دروس المعارك الأخيرة عبر الاعتماد المكثف على الطائرات المسيرة وتكنولوجيا الألياف الضوئية، وهو ما يفسر “الصمت العسكري” الحالي للحزب بوصفه مؤشراً على إعادة تموضع وترتيب داخلي بعيداً عن الاستعراض.

هذا التحول الميداني سيمثل واقعاً تصطدم به أي قوة دولية تحاول دخول المشهد بمهام تختلف عن تلك التي كانت تؤديها قوات “اليونيفيل”.

وفي ظل تعثر المفاوضات السياسية وانسداد أفق التسوية، يبدو لبنان معلقاً بين احتمالين لا ثالث لهما: إما تسوية إقليمية كبرى، وإما انفجار عسكري واسع يعيد خلط الأوراق قبل أن يحزم جنود “اليونيفيل” حقائبهم.

لم يعد مصير الجنوب مرتبطاً بقوة أممية بقدر ارتباطه بالجغرافيا الجنوبية التي بات خطها الحدودي متحركاً على وقع هدير الدبابات الإسرائيلية التي وسعت هذا الخط، دون قدرة أحد على التكهن بالمرسى الذي ستتوقف عنده