
آثار غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان. رويترز
يبدو أن الملف اللبناني وتطورات الجنوب لم يعودا يتصدران أولويات الإدارة الأمريكية المنشغلة بالملف الإيراني الذي أُعيد تسخينه من على منبر الأمم المتحدة، لا سيما بعد نجاح واشنطن في وضع ملف لبنان ضمن مسار تفاوضي منفصل عن طهران. تشكل هذه الخطوة حجر الأساس لانطلاق المسار التفاوضي، وتجسيداً للإطار الذي حدده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ البداية، والذي انطلق برعايته من المكتب البيضاوي؛ حيث توالت جولاته لتُنتج «اتفاق إطار» بقي مجرد حبر على ورق ولم تكتمل لوحته، إذ إن قطار الاتفاق تحرك بخطوات محدودة تمثلت بدخول الجيش اللبناني إلى «زوطر الغربية» وانتشاره في «فرون» و«صريفا»، غير أن هذا الانتشار ظل محكوماً بنيران الجيش الإسرائيلي التي تُزنر المناطق المحيطة به وتستهدفها بعنف بشكل مستمر منذ أشهر.
إن الواقع الميداني اليوم المتمثل بالاستهدافات اليومية والتفجيرات التي تتركز في منطقة «المنصوري» — التي تشكل شرياناً حيوياً يربط المنطقة بالخط البحري — فضلاً عن عودة التفجيرات إلى قرى الحافة الأمامية وفي مقدمتها «الخيام»، يُؤشر إلى مساعٍ إسرائيلية لفرض سيطرة كاملة وآمنة على الامتداد الجغرافي من الحافة الأمامية وصولاً إلى «النبطية». وفي خضم هذا الجمود التفاوضي وتعليق المباحثات، وانعدام المؤشرات على العودة إلى طاولة التفاوض رغم المعطيات التي تُحدد الشهر المقبل موعداً جديداً لها، بات واضحاً أن إسرائيل تعتمد مقاربة عسكرية استراتيجية تستغل فيها الوقت الضائع لتأمين جبهتها الشمالية بعمق كبير لا يقتصر على «الخط الأصفر».
فهي لا ترى في «اتفاق الإطار» مساراً تلقائياً للانسحاب، بل تتخذ من التباطؤ الدبلوماسي غطاءً لفرض واقع ميداني تؤمّن من خلاله الخط البحري والخاصرة الغربية. وتجلى ذلك في إعلان سيطرتها على تلة «علي الطاهر» وتدمير بنيتها التحتية بعد أشهر من الحصار، إلى جانب عزل شرايين الحركة عبر استهداف «المنصوري» ومحيطها، لتُخضع بذلك منطقة جنوب الليطاني لحزام أمني ناري يضمن أمن مستوطناتها بمعزل عن أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
وانطلاقاً من هذه المعطيات الميدانية، يمكن القول إن المسافة بين الاتفاق النظري والتطبيق العملي لا تزال شاسعة، عززها الاعتراض السياسي الشيعي الواضح الذي عبّر عنه رئيس مجلس النواب نبيه بري بصورة مباشرة حين اعتبر أن «اتفاق الإطار» بات خارج الطاولة في ظل العمليات العسكرية المستمرة.
وهنا لا بد من الإضاءة على المواقف والقراءات الإسرائيلية التي تنظر إلى «اتفاق الإطار» كبداية مرحلة وليس كنهاية مسار؛ فقد سبق وأن صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الاتفاق الموقّع مع لبنان لا يعني انسحاباً تلقائياً، وربط بقاء الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية بمسار نزع سلاح «حزب الله». كما أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن الوجود العسكري سيكون طويل الأمد ولن تنسحب إسرائيل من المناطق التي سيطرت عليها ما لم يُنزع سلاح الحزب، بينما أعلن رئيس الأركان إيال زامير عقب العملية في «علي الطاهر» أن تقدم الاتفاق مرتبط بمدى فعالية الجيش اللبناني على الأرض ومنع إعادة بناء قدرات الحزب.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فيبدو أن المسار الأمريكي لم يعد يدفع باتجاه تسريع التفاوض، وهو ما ظهر من خلال انتقال الاتصالات والتواصل إلى مستوى السفراء في واشنطن، وسط ترقب لما ستؤول إليه الانتخابات الإسرائيلية في الشهر المقبل، والملف الإيراني الذي يعاني من قيود العقوبات. وبذلك يبقى لبنان بين «فكي كماشة» الميدان المشتعل و«اتفاق إطار» معلّق ينتظر عودة صفارة الرئيس ترامب لإعادة إطلاق المسار التفاوضي بزخم أكبر، في وقت ستكون التطورات الميدانية عامل ضغط أشد مع الحديث عن توسيع الضربات الإسرائيلية التي قد تعيد مشهد الاغتيالات مجدداً إلى العمق اللبناني.