الخميس 12 ربيع الثاني 1448 ﻫ - 24 سبتمبر 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

ما أهمية الإجراءات التي يتخذها مصرف لبنان ولا سيما ما يخص المودعين؟

أميمة شمس الدين
A A A
طباعة المقال

منذ بدء الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان، نشأت ظاهرة التعاميم التي يصدرها مصرف لبنان كحلول مؤقتة للأزمة، بما فيها أزمة المودعين. ومنذ توليه حاكمية مصرف لبنان، اتخذ كريم سعيد العديد من الإجراءات وأصدر عدة تعاميم لتعزيز الثقة بالقطاع المالي وترسيخ الاستقرار. فما أهمية هذه الإجراءات والتعاميم وتداعياتها على المودعين والمواطنين؟

في هذا الإطار، ذكّر الباحث في الشؤون الاقتصادية والمالية الدكتور نسيب غبريل، في حديث لـ«صوت بيروت إنترناشونال»، بخطاب سعيد عند استلامه الحاكمية، الذي حدّد خمس أولويات لعهده، حيث أكد الحاكم التزامه التام بالحفاظ على استقلالية مصرف لبنان من الضغوط السياسية وتأثيرات القطاع المصرفي والهيئات الاقتصادية، تجنباً لأي تضارب في المصالح، وللإبقاء على دور مصرف لبنان كجهة تنظيمية ورقابية للقطاع المصرفي.

وأشار غبريل إلى أن سعيد أوضح أن الاستقلالية لا تعني العمل بعزلة، بل تتطلب تعاوناً وثيقاً مع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وبالتحديد مع وزارة المالية، بما يخدم مصلحة الدولة العليا. كما شدد على ضرورة تحييد المصرف عن أي شبهة تضارب مصالح مع المصارف التجارية أو المساهمين فيها.

ويضيف غبريل: «أما الأولوية الثانية، فهي إعادة رسملة المصارف، حيث شدد سعيد على ضرورة قيام المصارف التجارية بزيادة رأسمالها والمساهمة الفعالة في إعادة تسديد الودائع، وكذلك التزامها باتباع معايير جديدة للحوكمة والامتثال وتحسين الأداء. وبالتوازي مع ذلك، يتولى المصرف المركزي تنظيم القطاع ومنع أي استخدام غير قانوني للأموال العامة أو ممارسات غير مهنية».

ويتابع: «الأولوية الثالثة تتعلق بتنظيم العلاقة مع القطاع العام والالتزام بالقوانين، حيث أشار الحاكم إلى أن مصرف لبنان يمثل مصرف القطاع العام، إلا أنه ليس الممول الدائم له. وأكد الالتزام الصارم بضوابط المادتين 88 و91 من قانون النقد والتسليف، للحد من التمويل المفتوح لمتطلبات الدولة خارج الأطر القانونية».

وعن الأولوية الرابعة، قال غبريل: «هي حماية الملكية الخاصة وتدرّج تسديد الودائع. وأوضح الحاكم أن الملكية الخاصة، وفي مقدمتها الودائع المصرفية، مكفولة بموجب القوانين والدستور اللبناني. وبناءً عليه، اعتبر أنه يجب اعتماد خطة لتسديد الودائع بشكل تدريجي، بالتشارك بين المصارف ومصرف لبنان والدولة، مع إعطاء الأولوية في هذه الخطة لصغار المودعين، يليهم أصحاب الودائع متوسطة الحجم، ثم الودائع الكبيرة».

ولفت إلى أن الأولوية الخامسة تناولت الشفافية المطلقة ومكافحة الجرائم المالية، حيث تعهد مصرف لبنان باعتماد أعلى مستويات الشفافية والتصريح عن المعلومات المطلوبة، والتعاون لمنع الفساد واستغلال السلطة وسرقة الأموال.

وأشار غبريل إلى أن الحاكم شدد على التنسيق مع الجهات الدولية لتطبيق الاتفاقيات الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتهريب الممنوعات والسلع وتزوير العملات، إضافة إلى مكافحة الاقتصاد الموازي.

واعتبر أن هذه الأولويات الخمس تكسر حلقة النمط التقليدي في إدارة الملف المالي اللبناني، حيث تضع إعادة هيكلة القطاع المصرفي وحماية المودعين والشفافية في صلب عمل المرحلة المقبلة.

ووفقاً لغبريل، في ظل الظروف الاقتصادية والأمنية الدقيقة التي يمر بها لبنان، تتكشف الملامح الأساسية للرؤية الاستراتيجية التي اعتمدها سعيد منذ استلامه الحاكمية، حيث تبرز سلسلة من الإجراءات والتدابير الاستباقية التي هدفت إلى تنظيم القطاع المصرفي، وترسيخ الاستقرار النقدي، والحد من مظاهر الاقتصاد النقدي والموازي، وتنظيم القطاع ومكافحة تبييض الأموال.

«حيث كان مصرف لبنان سبّاقاً في إصدار مجموعة من التعاميم والتنظيمات المتعلقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. ولم تقتصر هذه التعاميم على المصارف التقليدية فحسب، بل امتدت لتشمل تنظيم أعمال شركات تحويل الأموال وشركات الصرافة والمحافظ الإلكترونية»، موضحاً أن هذه الخطوات تأتي بهدف محاربة الاقتصاد النقدي («الكاش») والاقتصاد الموازي، وإعادة حماية القطاع المالي والمصرفي الشرعي المرخص، الذي يخضع مباشرة لرقابة مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف.

وفيما يتعلق بملف استرداد أموال المودعين، أوضح غبريل أن المصرف المركزي يتبنى موقفاً واضحاً يلزم الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية بالتشارك والتعاون المستمر لتسديد الودائع بشكل تدريجي. وفي هذا السياق، يواصل حاكم مصرف لبنان حث الدولة على زيادة مساهمتها في هذا الحل، مؤكداً أن المصارف والمصرف المركزي بمفردهما لا يستطيعان تحمل كامل أعباء سداد الودائع بشكل كامل أو مقبول.

ويقول غبريل: «تجسيداً لهذا التوجه، أعلن سعيد أن المصرف المركزي على استعداد لتسييل الأصول والأسهم التي يملكها في رؤوس أموال عدد من الشركات لضمان تأمين المدفوعات والالتزامات المستحقة عليه تجاه المودعين، لا سيما أن مشروع قانون استرداد الودائع يلقي على عاتق مصرف لبنان نسبة 60 في المئة من هذه الالتزامات، المتعلقة بتسديد مبلغ الـ100 ألف دولار على مدى أربع سنوات».

وبالتوازي مع ذلك، يتخذ الحاكم إجراءات لها علاقة بمعالجة ملف القروض التي سلفها مصرف لبنان للدولة اللبنانية، ومنها قرض بنحو 16.5 مليار دولار، عبر نقاشات وإجراءات جارية مع الدولة لمعالجة هذا الملف بشكل مدروس.

ولفت غبريل إلى نفي المصرف المركزي الشائعات التي تحدثت عن إمكانية توقف مصرف لبنان عن العمل بالتعاميم النقدية، مثل التعميمين 158 و166، جراء الظروف والأحداث الأمنية التي اندلعت في آذار، مؤكداً استمراره في تطبيقها، بل وزيادة المبالغ المخصصة للمودعين المؤهلين للاستفادة من السحوبات المحددة بموجب هذه التعاميم.

والجدير بالذكر أن مصرف لبنان كان قد أعلن أن المودعين استردوا 6 مليارات دولار حتى آذار الماضي من خلال السحوبات الشهرية، منذ بدء العمل بالتعميمين 158 و166.

وعلى صعيد السياسة النقدية، رأى غبريل أن مصرف لبنان نجح في ضبط تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية، الذي كان قد قفز إلى حدود 141 ألف ليرة للدولار في منتصف آذار 2023. وتعود نقطة التحول إلى القرارات الحاسمة التي اتُخذت حينها بوقف تمويل عجز الموازنة العامة وتمويل القطاع العام، إضافة إلى سحب جزء أساسي من الكتلة النقدية بالليرة من الأسواق.

وقال: «أدت هذه التدابير إلى تحسن تدريجي في سعر الصرف، ليستقر عند حدود 89,500 ليرة للدولار منذ نهاية تموز 2023، واستمر هذا الاستقرار حتى اليوم، رغم التحديات والحروب الإقليمية والانعكاسات الاقتصادية الصعبة. ويعود الفضل في هذا الصمود إلى التنسيق والتعاون الوثيق بين المصرف المركزي ووزارة المالية لضبط النفقات العامة وحجم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية المتداولة في السوق».

وبالنسبة إلى استقرار سعر الصرف ولجم التضخم، أشار غبريل إلى أن مصرف لبنان حريص على استمرار استقرار سعر صرف الليرة، لما له من دور محوري في لجم موجات التضخم التي أرهقت الاقتصاد المحلي.

وكان انهيار سعر الصرف هو المسبب الرئيسي لارتفاع مؤشر التضخم، الذي سجل مستويات قياسية بلغت 221 في المئة عام 2023، قبل أن يتراجع إلى 45 في المئة عام 2024، ثم إلى 15 في المئة عام 2025. ورغم تسجيل التضخم نسبة تراوحت بين 11 و12 في المئة في شباط من العام الحالي، قبل أن يعاود الارتفاع المحدود جراء صعود أسعار النفط العالمية وعوامل محلية أخرى، فإن استقرار الليرة منع التضخم من الانزلاق إلى مستويات أكثر حدة.

ووفقاً لغبريل، يأتي هذا الضبط النقدي نتيجة التنسيق والتعاون الوثيقين بين مصرف لبنان ووزارة المالية لضبط حجم السيولة بالليرة اللبنانية في السوق. ويحذر خبراء من أن أي انفلات في الكتلة النقدية بالليرة سيزيد الضغط مباشرة على الطلب على الدولار وعلى احتياطيات المركزي، مما يولد ضغوطاً تضخمية جديدة.

وفي إطار السعي لكشف مصير الأموال والمستحقات، أشار غبريل إلى أن مصرف لبنان كثّف دعاواه وملاحقاته القانونية ضد أشخاص عملوا داخل المركزي أو خارجه، من المتورطين في قرارات مخالفة للقانون.

وفي خطوات متزامنة بالتنسيق مع وزارتي المالية والعدل، تم إطلاق مناقصة لبدء تدقيق جنائي يتناول ملف الدعم المالي للمواد المستوردة، والذي استنزف جزءاً كبيراً من احتياطيات مصرف لبنان. وتشير التقديرات الأولية إلى استنزاف أكثر من 8 مليارات دولار في هذا الملف، بانتظار النتائج النهائية للتدقيق الجنائي الشامل.

واعتبر غبريل أن هذه الخطوات تصب في اتجاه استرداد أموال مصرف لبنان وتعزيز الشفافية والمصداقية، كركيزة أساسية لإعادة الثقة بالمؤسسات المالية والاقتصاد اللبناني ككل.