الجمعة 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

هل بات "رأس الحزب" ثمناً للبقاء النووي؟

تتكشف تدريجياً ملامح مرحلة سياسية جديدة وصادمة في آن واحد، ترسمها كواليس المفاوضات عُقدت وفشلت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد. وفي حين كانت الأنظار تتجه نحو جبهات مشتعلة ووعود بـ “وحدة الساحات”، جاءت التقارير الواردة من الغرف المغلقة لتصدم المراهنين على الأيديولوجيا، مؤكدة أن الأجندة الإيرانية كانت “قومية بحتة”، مجردة من أي اعتبارات عاطفية تجاه الحلفاء، ومتمحورة فقط حول حماية المصالح الإيرانية ونظامها.

المعلومات المسربة من كواليس المفاوضات والتي حصلت عليها “صوت بيروت إنترناشيونال” من مصادر أميركية، تشير إلى أن المفاوض الإيراني لم يضع الملف اللبناني، أو حتى فكرة وقف إطلاق النار في الجبهات المشتعلة، ضمن أولويات النقاش كما كان يُروَّج في الإعلام قبيل بدء المفاوضات. غاب لبنان تماماً عن طاولة البحث، وحلّت مكانه لغة الأرقام والمصالح الجيوسياسية المباشرة للدولة الإيرانية. هذا الغياب لم يكن مجرد سقطة سهو أو تكتيك تفاوضي، بل هو انعكاس لرسالة طهران الواضحة والنهائية، الجمهورية الإسلامية أولاً، وما تبقى مجرد تفاصيل.

وفقاً للتسريبات، لقد انصبّ التركيز الإيراني بالكامل على “ثلاثية الوجود” بالنسبة للنظام في طهران، وهي الملفات التي تعتبرها القيادة الإيرانية مسألة حياة أو موت للنظام السياسي نفسه، وليست مجرد أوراق ضغط، وهي ضمان استمرارية البرنامج النووي وتثبيت المكتسبات التقنية التي وصلت إليها إيران، إضافة إلى فك الحصار عن المليارات المجمدة في الخارج لإنعاش الاقتصاد الداخلي الذي يعاني من تضخم مزمن واحتقان شعبي، وتأمين شريان الحياة النفطي والسيطرة على مضيق هرمز كممر مائي استراتيجي لضمان الاعتراف الدولي بدور طهران هناك.

وفق التسريبات، فإن حصر المفاوضات في هذه المحاور الثلاثة يعني استنتاجاً واحداً ومريراً لحلفاء طهران، وعلى رأسهم “حزب الله” في لبنان، “ما دون هذه الثلاثية ليس إلا أوراقاً للمقايضة”، وهنا يبرز السؤال الوجودي حول مصير الحزب، فإذا كانت طهران قد تجاوزت ذكر معاناته، أو حاجته الماسة لوقف إطلاق النار في أوج أزمته العسكرية والسياسية، فإن ذلك يعني أن “رأس الحزب” قد وُضع فعلياً على المقصلة السياسية، بانتظار اللحظة المناسبة لتنفيذ “الصفقة الكبرى”.

تاريخ العلاقات الدولية، وتاريخ السياسة الإيرانية تحديداً منذ عام 1979، يخبرنا أن القوى الإقليمية عندما يضيق عليها الخناق الاقتصادي والداخلي، تميل بشكل براغماتي حاد إلى التضحية بالأذرع لحماية المركز القلب. ويبدو أن القيادة في طهران وصلت إلى قناعة نهائية بأن كلفة الاستمرار في دعم “الأذرع” باتت تهدد استقرار النظام في الداخل. لذا، فإن الجاهزية الإيرانية للتخلي عن الحزب، أو تقليص دوره بشكل جذري وتحويله إلى “كبش فداء” مقابل تسوية شاملة تحمي الطموح النووي وتضمن تدفق الأموال، لم تعد مجرد تحليل سياسي، بل واقعاً يفرض نفسه على الطاولة.

لقد بعثت طهران برسالة واضحة لكل من يهمه الأمر، “نحن مستعدون لبيع الأوراق التي استثمرنا فيها لعقود، مقابل ضمان بقائنا كقوة إقليمية معترف بها نووياً ومالياً”، وهذا يعني أن الحزب الذي استُخدم طويلاً كذراع ضاربة، بات اليوم هو السلعة المعروضة في “بازار” المقايضة الدولي.