
عناصر تابعون لحزب الله
تسارعت الأحداث الميدانية على الجبهة الجنوبية، لتكشف عن تحولات جذرية في معادلات الصراع، حيث لم تعد البيانات الحماسية والسرديات المعتادة قادرة على إخفاء التراجع الميداني والخلل الهيكلي الذي ظهر جليًا في الأداء العسكري.
وكان الحدث الأبرز الذي اختصر هذه الصورة هو تسليم اللائحة الرسمية للدولة، والتي تضم أسماء أسرى من عناصر الحزب لدى إسرائيل، وهي الوثيقة التي حملت في طياتها دلالات عسكرية وسياسية بالغة الخطورة، خصوصًا مع تبيّن أن الكتلة الأكبر من هؤلاء المقاتلين أُسرت في بلدة عيتا الشعب.
ووفقًا لمعلومات صوت بيروت إنترناشونال، فإن التفاصيل الميدانية لعمليات الأسر تسلّط الضوء على واقع صعب عاشه المقاتلون في الخطوط الأمامية، فقد تبيّن أن المجموعات التي وقعت في الأسر كانت تعاني من عزلة تامة وخانقة، جرّاء انقطاع خطوط الإمداد اللوجستي بشكل كامل، ونفاد الذخائر والعتاد الحيوي الذي يمكّنها من الاستمرار في المواجهة أو الصمود داخل الميدان.
هذا الواقع الميداني يطرح علامات استفهام كبرى حول طبيعة إدارة المعركة. إذ يرى خبراء عسكريون، تحدثوا إلى موقعنا، أن الأولوية البديهية في العلوم العسكرية الحديثة لأي قوة تخوض معارك دفاعية أو هجومية لا تكمن فقط في إطلاق الشعارات وتجييش الجبهات، بل تتطلب بالدرجة الأولى:
تأمين شبكة إمداد مرنة: تضمن وصول الدعم اللوجستي والذخيرة بشكل مستمر.
إدارة الاتصالات السلكية واللاسلكية: بما يحمي خطوط التواصل ويمنع عزل الوحدات المقاتلة.
توفير مقومات الصمود الأساسية: بما يضمن قدرة المقاتل على البقاء والاستمرار في أوقات الحصار.
إلا أن الوقائع الميدانية أظهرت افتقار الحزب إلى استراتيجية واضحة وخطة عسكرية متكاملة للتعامل مع هذا المستوى من التصعيد، ما أدى إلى ترك المجموعات الميدانية وجهًا لوجه أمام تفوق ناري وعسكري، من دون أدوات حماية كافية أو خيارات انسحاب آمنة.
ويقول الخبراء: «لم تكن العزلة اللوجستية وليدة المصادفة، بل جاءت نتيجة مباشرة للضربات القاسية والاستهدافات المركزة التي طالت قيادات الصف الأول والكوادر الميدانية الأساسية خلال فترة زمنية وجيزة. وقد أحدث هذا الفراغ القيادي حالة من الاضطراب والتخبط في ساحة المعركة، وجعل المقاتلين في الخطوط الأمامية أكثر عرضة للتحركات والعمليات التكتيكية التي نفّذها الجيش الإسرائيلي».
ويضيف الخبراء أن «غياب التنسيق المركزي وسقوط منظومات القيادة والسيطرة تسببا في تشتيت الجهود، حيث وجد العنصر الميداني نفسه منفردًا ومقطوعًا عن أي توجيه عسكري، ما أدى في النتيجة إلى سقوط المواقع وتزايد أعداد الأسرى بصورة غير مسبوقة مقارنة بالمعارك التي خاضها الحزب سابقًا».
وعلى مدى سنوات، ارتكز الخطاب الإعلامي للحزب على تسويق مفاهيم التفوق الميداني والجاهزية المطلقة، إلا أن اختبار الميدان الفعلي، خلال أيام معدودة من المواجهات الحادة، أدى إلى تفكيك هذه السرديات بصورة دراماتيكية.
كما تبددت الصورة النمطية القائمة على «البطولات الوهمية» أمام الوقائع الميدانية؛ إذ أظهرت التطورات أن الحزب، بتركيبته الحالية وتحت ضغط الضربات المتتالية، واجه صعوبات كبيرة ليس فقط في إدارة مواجهة واسعة النطاق، بل أيضًا في توفير الحد الأدنى من الحماية لمقاتليه وعناصره في نقاط التماس.