استمع لاذاعتنا

‏متلازمة ستوكهولم، والثورة على الثورة !!!

مرّ عامٌ على ثورة “١٧ تشرين” الّتي جابت كافّة قنوات العالم ووصل صداها لجميع أهل الأرض وأسمعت صوتها الأرض الكِفات، الأحياء والأموات، وكما سائر الثّورات، مضى موجها بين تقلّبات التّصاعد والخُفوت، نظراً للعوامل الإجتماعيّة المتأثرة بالضغوط السّياسيّة …

كان لإنطلاقة “١٧ تشرين” أسبابٌ جمّة من الظّاهر ومنها ما لا كان يجرؤ على نُطقه سوى القلّة حتّى اليوم، وهو الأساس لباقي تفرّعات مجون اللّادولة، برز التّنديد بالفساد الإداري والقضائي والصّحّي والمؤسّساتي والتّسويات المخزية المبنيّة على المحاصصات والمصالح الشخصيّة، وخذلان النّاس المتراكم جرّاء عدم تنفيذ الوعود الإنتخابيّة، والإعتداء السّافر من قبل السّلطة وأزلامها على المواطنين بلا رقيبٍ أو عتيد، والخصم في هذا الموضع هو الحكم، وبقي هذا اللّحنُ شهوراً معدودة، والجمر الأصيل ما برح خفاءه، إلى أن تجلّى على العلن في السادس من شهر حزيران من العام الجاري، وهو سلاح ميليشيا حزب الله، الإحتلال الإيراني المقنّع للبنان …

في كلّ مرّة حاول الثّوار الإنقضاض على قصر الشعب في بعبدا أو المجلس النّيابي في ساحة النّجمة، كان التّصدّي واضحاً عبر عناصر حزب الله ومناصريه، وتكشّفت هذه العقدة في أوائل أيّام الثّورة، حيث إستدعى الحزب أفراد وحدة الرّضوان -الوحدة الخاصّة المرمّزة ب ٤١٠٠- والّتي يرأسها الشّهير بلقب “أبو حسين سمير” حاليّاً إلى حيّ السّلّم في الضاحية الجنوبيّة لبيروت وأوصلهم بباصاته إلى “الخندق الغميق” ليكون منها نقطة السّعي نحو ساحتي الشّهداء ورياض الصّلح، أي ساحات الإعتصام، وكانت حينها المطالب محصورةً بإستقالة حكومة “سعد الحريري” والإتيان بحكومة إصلاحات من خارج المنظومة السّياسيّة، وبعيدة عن الخطابات السّياديّة والقرارات الدّوليّة، لكن حتّى هذا لم يكن شفيعاً لها ولمعاناة النّاس النّابعة من رحم التّقهقر والإذعان لسطوة الفروض المُرّة، فزُجّ بالجيش المتلقّي أوامره بوقتها من عناصر تابعة لحزب الله تنتحل صفات مخابراتيّة في الدّولة بغية أن يصطدم بمن يطالبون بحقوقهم وحقوقه، على أمل أن يُشهر المنتفضون سيف التّمرّد بوجهه ويلقون مصير الثّورة في سوريا، وما جاء من مكرهم سوى الفشل وزيادة المحبّة بالجيش اللّبناني …

لم تتوانَ إيران عبر ذراعها حزب الله في قضم أحلام اللّبنانيّين، وشعاراتهم لم تتعدّ بوقتها الخطوط الحمراء لديها، أي إستعادة السّيادة ودحر إحتلالها، فلا نصر الله حمل إحتراماً للّبنانيّين في خطاباته، ولا كفّ أيدي مأموريه عنهم، بل وأطلق العنان لوفيق صفا في إستدعاء الثوار عبر الأجهزة الأمنيّة بإسمه تارةً وبتلفيق الإتّهامات المقوّضة لأمن الدّولة القومي تارةً أخرى، وأخذ نصر الله يشبّه الفاسدين بالعملاء، وصفا هو أحد حيتان الفساد في لبنان لصالح حزبِ الله، وحزبُ الله هو المستفيد الأوّل تآكل الخزينة وإضعافها، وكل من يخضم مالها هو بأمرٍ منه ويتفيّأ بفيء سلاحه وحمايته، فهو فاسدٌ ومفسد، ولا يرضى بشخصٍ يرتاد منصباً حسّاساً أو حتّى ناطور على باب مؤسّسة دون إذنه وواسطة تمرّ عبره او عبر شركائه في السّلطة المُهيمن عليها بطبيعة الحال، وهذا ما توطّد بحكومة “حسان دياب”، ممّا أفضى إلى تسمية الأمور بمسمّياتها، وإعلان لبنان دولة محتلّة إيرانيّاً، ورّطها حزب الله بأتون الصّراعات الخارجيّة وقوّض علاقاتها الدّبلوماسيّة، وإحتكر القرارات السياديّة والإقنصاديّة فيها بيده وحده، ومانع لقمة عيش أبنائها بسلاحه تحت عناوين باتت بالية على أعتاب الجوع والإذلال وإمتهان الكرامات تحت وطأتها …

جاء السّادس من شهر حزيران من العالم الجاري بمثابة إعلاء الصوت الواضح بوجه إيرلن وإحتلالها المُطلق للبنان، وهذا ما إعترض عليه قسمٌ كبير من الثّورة، بحيث تفرّع هذا القسم لمشارب عدّة منها الخائف ومنها المرتبط بأصول أمنيّة تابعة للحزب عبر وفيق صفا مباشرةً أو عبر أحد حلفائه أو حتّى عبر الأجهزة الأمنيّة، وإتُّهم المغامرون من الثّوار بالعمالة لأجندات خارجيّة وأوّلها إسرائيل، وبدأ تشديد حلقات نصب الفخاخ لهم والمطاردة من مكانٍ لآخر، ولم يعزُب تشويه السّمعة عن مسار يوميّاتهم، والأدوات هم مصادر حزب الله البشريّة وعيونه وأقلامه والمنتفعون مادّيّاً منه مع المستوزرين والموعودين بمناصب حزبيّة أو نيابيّة أو إداريّة مستقبلاً، أو أيضاً من يستحوذ الحزب لهم على ملفّات جرائم ماليّة و بشريّة وغيرها قديمة في طيّات دفاتره كان قد أبرزها لهم، ولكن السّيل لم يتوقّف، لا بتهديدٍ ولا مضايقة ولا وَعيد ولا سجون، ورفدت قضّيّة نيترات الأمونيم ومرفأ بيروت شعار السادس من حزيران بدعامة مثبوتة بجريمة الزّمن وشهود العيان من جميع أرجاء العالم، وهذا ما أجبر حزب الله إلى تقديم التّنازلات بطرق غير مباشرة …

بُعيد جريمة مرفأ بيروت وفضيحة مواد تصنيع وقود الصواريخ، لم يعُد همّ حزب الله إطفاء جمر الثّورة، وصار قبوله ببقاء الشعارات الإصلاحيّة مُستساغاً لدى مجلس الشورى ومجلس المعاونين عنده، لكن لبثت مشكلته الكُبرى هي توصيفه بالإحتلال والإصرار على تطبيق القرارات الدوليّة والدستور والطائف ومن ثمّ محاسبة الفاسدين، ومن وقتها إلى الآن أوعز نصر الله وهاشم صفيّ الدّين إلى وفيق صفا بمحاولة تجنيد الأشخاص السّياديّين وإن لم يرضخوا لإذعان المال فليكُن مصيرهم التّرويع بالضّغط على ذويهم وإن إضطّرّ الأمر الخطف والتّلاشي لبعضهم، دون الإظهار لأي ملامح تهديديّة أو تحذيريّة، إلى جانب حشده صفوفه وأسلحته في الجنوب اللّبناني في المناطق غير الشيعيّة تزامناً مع السّير بإتفاق الإطار الّذي دخله مُرغماً لضبط إيقاع الستاتيكو قبل نتائج الإنتخابات الأميركيّة، وتجهيزاً لما ممكن سيعقبها، لأنّه لن يتخلّى عن سلاحه الّذي غزى به الأقاليم العربيّة بسهولة …

كل هذه الطبقة فاسدة ومتواطئة، لكنّها لا تساوي سوى عمّالاً أجيرين عند مشغّلهم حزب الله، وهذا ما أكّدته أحداث السابع من أيار عام ٢٠٠٨، والحلّ لن يكون سوى الرّفض الظّاهر لرفض الواضح، والتّمرّد على متلازمة

ستوكهولم، بمعنى أدق، الثّورة على الثورة، وتشكيل جبهة معارضة يمثّلها إعادة السّيادة اللّبنانيّة وتطبيق الدّستور والطّائف بالكامل مع القرارات الدّوليّة إلى جانب الإلحاح على تسليط سيف العقوبات وتشكيل حكومة مستقلّين مؤقّتة تسنّ سُنَن النّهوض بلبنان وترمّم علاقاته الدّبلوماسيّة وتنفّذ شروط الولايات المتّحدة الأميركية السبعة مع العمل على قانون إنتخابي جديد وتحضير لإنتخابات نيابيّة مبكرة بمراقبة دوليّة يليها إنتخاب رئيس جمهوريّة من خارج البروستات السياسي يجنح لِصوغ مواثيق مستجدّة مغايرة للمواثيق البالية المعتمدة على التّوزيع الطّائفي لا الكفاءة …

يمرّ لبنان في أزمة، وأصل هذه الأزمة هو هيمنة حزب الله على قرار لبنان، وتهديده له بسلاحه بطريقة مباشرة وغير مباشرة، ولا مانع من مواكبة بعض الأخطار لتلافي الخطر الأكبر، وهو هتك الطّغاة بإسم الأديان حُرُمَ الإنسان، لأّنّهُ وبالمنطق السّوي، آن أوان تبديل الأمم، وعلى الطّامحين أن يكونوا روّاد الأمجاد وبُناة البلاد …