
رئيس الحكومة نواف سلام يتسلم في عيترون "صورة للبلدة" كهدية
دخلت الساحة اللبنانية في منعطف شديد الخطورة عقب إقرار حكومة الرئيس نواف سلام زيادة ضريبية بلغت 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، كآلية لتمويل رفع رواتب القطاع العام. وفي حين بررت الحكومة هذه الخطوة بأنها “شر لابد منه” لضمان استمرارية الإدارة العامة ومنع الانهيار المعيشي للموظفين، قرأ معارضون، وفي مقدمتهم حزب الله، في هذا القرار فرصة ذهبية لتحريك الشارع وتضييق الخناق على رئيس الحكومة الذي يتبنى نهجاً سيادياً وإصلاحياً مدعوماً دولياً.
لم تكن صرخة الشارع التي انطلقت من طرابلس وصولاً إلى خلدة والضاحية الجنوبية مجرد احتجاج مطلبي، بل تحولت سريعاً إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية. يرى مراقبون أن حزب الله، الذي يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع توجهات سلام الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة وتطبيق “الميكانيزم” الدولي لمراقبة الحدود، يسعى لاستثمار “النقمة الشعبية” الناتجة عن الغلاء الفاحش لتحقيق هدفين استراتيجيين:
يسعى الحزب على تصوير حكومة سلام على أنها “حكومة ضرائب” تخنق الفقراء لتنفيذ أجندات خارجية، وبالتالي استنزاف سلام في الشارع لإجباره على الاستقالة أو تقديم تنازلات جوهرية في ملفات أمنية واستراتيجية.
في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، دافع سلام عن القرار معتبراً أن “تأمين 620 مليون دولار للرواتب يتطلب مداخيل حقيقية لتجنب التضخم”. إلا أن حزب الله وحلفاءه اعتبروا أن التمويل يجب أن يأتي من مكافحة التهرب الضريبي والأملاك البحرية، وليس من جيوب السائقين العموميين. هذا الخطاب لاقى صدىً واسعاً في المناطق المحسوبة على الحزب، حيث انطلقت مسيرات بالدراجات النارية احتجاجاً على “تجويع الناس”.
تجد حكومة نواف سلام نفسها بين فكي كماشة؛ فمن جهة، يضغط صندوق النقد الدولي والمجتمع الدولي باتجاه إصلاحات بنيوية صارمة ورفض الإنفاق دون إيرادات، ومن جهة أخرى، يتربص خصومها الداخليون بأي هفوة “معيشية” لقلب الطاولة.
ويرى محللون عبر “صوت بيروت انترناشونال”، أن حزب الله يستخدم “تكتيك القضم”، أي إضعاف الحكومة تدريجياً عبر الشارع دون الوصول بالضرورة إلى إسقاطها الفوري إذا لم يتوفر البديل، وذلك لضمان بقائها “كسيرة الجناح” وغير قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بسلاحه.
إن المعركة الدائرة اليوم ليست على سعر “صفيحة البنزين” فحسب، بل هي معركة على هوية لبنان السياسية في مرحلة ما بعد الحرب. فهل يتمكن نواف سلام من امتصاص غضب الشارع وتمرير إصلاحاته، أم أن ضغط حزب الله عبر الأزمات المعيشية سينتهي بالإطاحة بالحكومة وإعادة البلاد إلى دوامة الفراغ؟