
تظاهرة في لندن دعماً لغزة (رويترز)
دأبت السياسة الإيرانية على مدى عقود على تبني القضية الفلسطينية كواحدة من محاورها المركزية، لكن هذه العلاقة لم تكن دائمًا خالية من الجدل. إذ أن طهران اتبعت سياسة الاستثمار في الحروب واستغلال معاناة الفلسطينيين لفتح الباب أمام مشروعها التوسعي الذي يُطلق عليه اسم “المد الإيراني” في المنطقة. هذه الاستراتيجية اعتمدت بشكل كبير على إغراق مناطق النزاع، مثل غزة واليمن ولبنان والعراق، بالأسلحة والدعم اللوجستي لشن حروبها بالوكالة على أراضي الآخرين.
يرى خبراء في الشأن الإيراني عبر موقع “صوت بيروت إنترناشونال”، انه على الرغم من الدعم العسكري والمالي الكبير الذي قدمته إيران لحلفائها، سقطت معادلاتها الاستراتيجية في مناطق عدة. فالحلم التوسعي الإيراني الذي سعى لتثبيت نفوذ مستدام في الهلال الخصيب انكسر على أبواب سوريا، وشهدت السنوات الأخيرة تقلصًا واضحًا في نفوذها وتشرذمًا في صفوف أذرعها الإقليمية. لقد أثبتت التجربة أن الاعتماد المطلق على منطق القوة وتوفير الترسانات الصاروخية لم يستطع تحقيق الأمن الحقيقي أو الحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني.
في المقابل، لم ينتج عن هذا التباهي الإيراني سوى الشعارات الفارغة والكاذبة التي لم تترجم إلى إنجاز سياسي أو إنساني ملموس يخدم مصالح الفلسطينيين، بل زاد في كثير من الأحيان من تعقيد المشهد وإشعال المزيد من الصراعات التي يدفع ثمنها المدنيون.
يشير الخبراء إلى أنه في خضم هذا المشهد المعقد، برز دور جديد وفاعل للدبلوماسية العربية كعامل حاسم في وقف تصعيد التوترات. لقد بذلت دول عربية، خاصة الدول الخليجية، جهوداً جبارة بالتعاون مع واشنطن، لضبط التصعيد وإيقاف الحروب التي يُنظر إليها على أنها أُشعلت بدعم إيراني مباشر أو غير مباشر.
لقد أثبتت هذه الدول الخليجية، من خلال حراكها الدبلوماسي النشط، أنها هي من تحمل لواء القضية الفلسطينية بمسؤولية سياسية ودبلوماسية، فالعمل العربي المشترك يركز الآن على إحقاق حقوق الفلسطينيين عبر مسارات الحل السياسي القائم على مبدأ حل الدولتين، وهو المسار الذي يُنظر إليه على أنه الطريق الأكثر استدامة نحو الاستقرار والسلام.
يقول الخبراء إن ما حدث يمثل في جوهره درسًا إقليميًا مهمًا: أن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في حجم الترسانات العسكرية، بل في القدرة على التأثير السياسي والدبلوماسي وإدارة الصراعات نحو الحلول السلمية.
بينما استمرت إيران في تمويل شبكات الوكلاء والتركيز على الردع العسكري الذي لم يأتِ بالسلام، ركزت الدبلوماسية العربية على الاستقرار الإقليمي وتقديم المساعدات الإنسانية والضغط السياسي من أجل التسوية. هذا التباين في المنهج أظهر بوضوح أن القوة الناعمة والدبلوماسية قادرة على تحقيق إنجازات أكبر في إنهاء الصراعات وحماية المدنيين، وهو ما يمثل تحديًا مباشرًا للمنهج الإيراني الذي اعتمد بشكل مبالغ فيه على أدوات القوة الصلبة على حساب الاستقرار الشامل للمنطقة.