
فيروس كورونا
بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني، يضطر إلى التعامل مع هذه الحالة الطارئة الصحية العامة في نفس الوقت الذي تدق فيه الساعة على الموعد النهائي التالي لبريكسيت في المملكة المتحدة: الأول من يوليو / تموز. وهذا الموعد النهائي المعلق أهم بكثير من أي شيء حدث في عملية بريكسيت حتى الآن.
المملكة المتحدة حالياً في فترة انتقالية مع الاتحاد الأوروبي، من المقرر أن تنتهي في 31 ديسمبر. وكان الهدف من هذا الانتقال الحفاظ على الهدوء في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بعد أن حدث بريكسيت في 31 يناير، وذلك لتجنب حافة الهاوية الاقتصادية.
ويتفاوض الجانبان حالياً بشأن علاقتهما المستقبلية ويأملان في التوصل إلى اتفاق يعود بالنفع المتبادل قبل نهاية العام. وإذا لم يتمكنوا من ذلك، فإن المملكة المتحدة تترك الفترة الانتقالية دون اتفاق رسمي بشأن التجارة أو أي مجالات استراتيجية أخرى. وسيؤدي القرار المشترك بإلغاء جولة المحادثات التي ستجرى في الأسبوع المقبل، إلى مخاوف من عدم إمكانية التوصل إلى اتفاق من هذا القبيل في الوقت المناسب. ومن الناحية القانونية، يمكن تمديد الفترة الانتقالية، ولكن يتعين القيام بذلك قبل 1 تموز / يوليو من هذا العام. هذه نقطة اللاعودة.
لحين انتهاء الفترة الانتقالية، تلعب المملكة المتحدة وفقا لقواعد الاتحاد الأوروبي وتدفع المال من أجل الامتيازات، ولكن بدون مقعد على طاولات السلطة في بروكسل. وبعبارة أخرى، فإنها لا تزال أساساً دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي، ولكن ليس لها أي تأثير على سياسة الاتحاد الأوروبي.
لكن ّ هذا الموقف تم اتخاذه قبل أن يسيطر ذعر فيروس الكورونا على الأمة. “مهما كان مؤلماً سياسياً بالنسبة للحكومة، فإنّ تأثير فيروس الكورونا سيتجاوز إلى حد بعيد الآثار الصحية العامة وسيطال قلب اقتصادنا”، يقول ويس ستريتينغ، وهو مشرّع قانوني معارض. ويتابع” في ظروف جيدة، إنّ ترك الاتحاد الأوروبي على الجدول الزمني الذي أعلنته الحكومة سيكون تحدياً.
إنّ المملكة المتحدة تعيش بالفعل بعض من تلك الآثار السلبية. فقد أدّى الشّراء بدافع الذعر إلى نقص في العديد من المنتجات المنزلية اليومية، ولا سيما ورق المرحاض. وإذا كنت تعتقد الرفوف الفارغة هي المشكلة الحالية، فانظر إلى هذا: وفقاً لاتحاد صناعات الورق، فإنّ المملكة المتحدة تستورد حوالي 60% من المواد المستخدمة في صنع منتجات الأنسجة من الاتحاد الأوروبي. وما يصل إلى 55% من هذا الطلب هو على ورق الحمام.
البعض في بروكسل يتساءل عما إذا كان سيحين الوقت الذي ينصح فيه الخبراء جونسون بأنّ رفض تمديد الفترة الانتقالية ورمي الروابط التجارية وسلاسل الإمداد خارج النافذة هو فكرة سيئة، نظراً لحجم مشكلة فيروس الكورونا.
وإذا كانت المحادثات التجارية مع الاتحاد الأوروبي بطيئة بسبب فايروس الكورونا، وهذا يعني أنه قد لا يتمّ الاتفاق على شيء في يونيو/حزيران، هل يمكن لجونسون أن يخاطر حقاً بالغذاء، والأدوية وغيرها من حالات النقص من أجل إنقاذ ماء الوجه؟
ومع ذلك، تضيف: ” الطلب يجب أن يأتي من الحكومة البريطانية، ومن الواضح أن التمديد لن يأتي دون تكاليف على المملكة المتحدة. وسيترتب على ذلك طرح أسئلة، بما في ذلك المساهمات المالية. كونه لا يوجد ما يسمى بغداء مجاني”.
وفي حين أن بروكسل قد تفكر بالفعل في هذا، فإن المجهول هو ما كان جونسون ليفعله في الواقع إذا أعطيت له المشورة لطلب التمديد. إنّ المسؤولين الأوروبيين على اقتناع متزايد بأن جونسون لا يزال في حالة إنكار بشأن مدى خطورة الأمور.
ويقول مصدر دبلوماسي للاتحاد الأوروبي لوكالة CNN: “لا يبدو أن المملكة المتحدة قد اضطلعت تماما حول الطريقة التي ستتأثر بها سلاسل الإمداد المختلفة بعد عملية الانتقال”. “حالياً، هناك رفوف مليئة بالطعام تقبع في موانئ في جميع أنحاء أوروبا، إذا اتصل شخص ما في السابعة صباحاً هناك إمكانية توفيرها في المحلات البريطانية بعد ظهر ذلك اليوم. المملكة المتحدة تستورد الغالبية العظمى من ورق المراحيض الخاص بها، فإذا كنت تقتل سلاسل الإمداد فأنت حرفياً في ورطة.”
أوضح جونسون نقطة أثناء تفشي فيروس الكورونا تؤكد أنّ الحكومة تتخذ القرارات بناء على النصيحة التي تتلقاها من خبراء طبيين. من المؤكد أنّ جونسون وضع أهمّ مسؤولي الصحة العامة في الصدارة في الأسابيع الأخيرة. مصادر قريبة من” داونينغ ستريت” تدّعي أنّ هذا النهج يقوده دومينيك كامينغز، أكبر مستشاري جونسون.
من المعروف أنّ كامينغز مهووس بالعلماء والبيانات والأدلة، لذا من المنطقي أن يطلب من مستشاري الحكومة ألا يوجزوا وأن يشجعوا رئيس الوزراء على أخذ تلميحاته من الخبراء. ومع ذلك، فهو نفس دومينيك كامينغز الذي يقود جدول أعمال جونسون في بريكسيت، ويعتقد أنه كان وراء قرار القول علناً أنه لن يكون هناك تمديد تحت أي ظرف من الظروف.
” إذا كان لا يريد التمديد، فلا بأس، ولكن إذا كان يريد واحداً، فإنه [الاتحاد الأوروبي] سوف يكون له بالمرصاد على الصيد والمساهمات المالية،” يقول هوجو ديكسون، مشيراً إلى اثنين من أكثر القضايا الشائكة التي تهدم المفاوضات في الوقت الراهن. “لن يكون عليه فقط أن يتراجع عن كلمته بعدم التمديد تحت أي ظرف من الظروف، بل عليه أيضاً أن يعضّ على هذين الجرحين المريرين.”
إنّ مدى الضّرر الذي قد يحدثه طلب التمديد لـجونسون يجب أن يُقارن مع تداعيات عدم عقد صفقة، أو صفقة تجارية محدودة جداً.
في حين أنه يبدو من الصعب على أي زعيم الخروج من الركود المتكرر، بريكسيت فعل أشياء غريبة للسياسة الداخلية في المملكة المتحدة. وكما يشرح المصدر الدبلوماسي: “لقد أرسى جونسون بالفعل الحجر الأساس على المستوى المحلي لوضع أي اتفاق ككفاح ضد استعمار الاتحاد الأوروبي في مقابل قدرة المملكة المتحدة على فعل ما تريد.
يعتقد ديكسون أنّ هذا يمكن أن يكون أسهل خيار سياسي لـجونسون. “بإمكانه أن يتلقى كل الرصاصات في آن واحد ويحاول أن يخرج منها قبل عام 2024 ، عندها نكون خارج الغابة ويمكنه خوض انتخابات”.
وفي الوقت الحالي، لا يبدو أنّ أي اتفاق مع أوروبا هو نقطة النهاية المنطقية. يقول ديمتري غروزوبنسكي مؤسس explaintrade.com في حين أنّ أزمة Covid-19 قد “تركز العقول على الحاجة إلى التوصل إلى حل وسط”، فإنها قد ” تجرد المفاوضات من كل الاهتمام السياسي، وتزيل أي ضغط من السياسيين للتراجع عن خطوطهم الحمراء التي لا يمكن التوفيق بينها حالياً، وتؤدي إلى انهيار منظمة التجارة العالمية وبركسيت إلى حد ّكبير والعمل على مبدأ الطيار الآلي.
وبينما يعتقد المصدر أنّ فايروس كورونا يعطي جونسون “وسيلة للخروج إذا أراد أن يتأخر لمدة عام “،”يشير إلى أنه “يجب أن يأتي في يونيو-قانونيا”، هذا هو الموعد النهائي.”
على أية حال، البعض يتمسك بالأمل الضئيل الذي من خلاله يصبح الدليل مقنعاً جداً على جونسون كي يستمع. يشير جوستنسكا جاكوبوسكا إلى أنه عندما رسم جونسون الخطوط الحمراء له، ” لم يكن لدينا كوفيد 19.”
وهذا ما قد يشجع الحكومة البريطانية على الاستماع إلى الأعمال التجارية بعناية أكبر”. ويذكّرنا ديكسون بأن جونسون لديه هيئة للطي عندما تكون الحاجة إلى اتفاق مع بروكسل عظيمة: “لن ينسى الاتحاد الأوروبي أنه أعطاهم كل ما أرادوه في أكتوبر / تشرين الأول الماضي.”
حالياً كل من جونسون والاتحاد الأوروبي على مقربة من القدرة على التعامل مع أزمة فيروس كورونا. وبما أن الموعد النهائي في الأول من يوليو قد وصل إلى جونسون، فمن المرجح أنه سيواجه ضغوطاً للنظر في تمديد فترة انتقال (بريكسيت) لتجنب الكارثة الاقتصادية. يقول ستريتنج:” على المدى القصير، إنّ الألم السياسي لبوريس هو ثمن يستحق أن يدفعه مقابل المخاطر المتوسطة إلى الطويلة الأجل التي من الممكن حصولها والتي إن حدثت تعتبر خطأ فادحا”.
المجهول الأكبر هو ما إذا كان جونسون وكامينجز يمكن أن يقتنعا بأن خطر تجاوز نقطة العودة هذا الصيف سيء بما يكفي. وعلى الرغم من أننا قد لا نعرف ما يعتقدون الآن، لن نضطر للانتظار طويلا ًلنكتشف ذلك.