
الدخان يتصاعد من مدينة النبطية جراء غارات جوية إسرائيلية (رويترز)
لم تكد مراسم تأبين مرشد إيران علي خامنئي تنتهي، وما رافقها من رسائل سياسية اختار المنظمون توجيهها إلى وفود الدول المشاركة بعناية من خلال “الآيات القرآنية”، والتي شكل بعضها سهمًا أصاب هدفه المنشود… حتى خرج رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، بعد أن مسح دموعه التي ذرفها حرقة على مرشده، مستعيدًا أنفاسه المهددة، ليعلن صراحة انسداد أفق التهدئة، بتأكيده أن بلاده ليست “في سلام مع الولايات المتحدة ولن نعترف رسميًا بإسرائيل”.
وعقب مرور ساعات على هذا التصريح انطلقت الصواريخ الباليستية لتستهدف سفينتين تبحران في مضيق هرمز… لم يكن استهداف السفينتين أمرًا طارئًا بعد توقيع “مذكرة التفاهم”، فقد سبق وأن استهدف “الحرس الثوري” عدة سفن في وقت سابق، لكن المفارقة اليوم أنه جاء فور انتهاء مدة الاتفاق المحدد بأسبوع واحد بين الولايات المتحدة وإيران بشأن وقف الهجمات في المضيق. هذا الاستئناف السريع للهجمات، في وقت ما زال نعش خامنئي يطوف في طهران لينتقل إلى العراق قبل أن يعود يوم الخميس إلى مشهد، ليطوي معه حقبة المرشدية… بعدما قطع الشك باليقين، أن الوريث “مجهول المصير”، يفتح الأبواب على مصراعيها أمام جولة جديدة من المواجهة المباشرة، لأن فترة السماح “الترامبية” قد تكون انتهت صلاحيتها بعد التهديد الأول الذي أطلقه ترامب محذرًا “بإنهاء وجود النظام الإيراني عسكريًا وإخضاعه لشروطه بالكامل”، بوصفه إطلاق طهران 4 مسيرات هجومية أصابت إحدى سفن الشحن بـ”أنه خرق أحمق لوقف إطلاق النار”.
مسارات متعثرة
يبدو أن المشهد الإقليمي يستعد للتسخين، في ظل الضبابية في المواقف التي تحاول استغلال 60 يومًا المعطاة للتفاهم الذي وقع بين الولايات المتحدة وطهران، ولا يظهر أن لبنان سيكون بمنأى عنها، رغم أن مساره التفاوضي مع إسرائيل تجاوز الشروط الإيرانية، لكن طهران ما زالت تعيد تدوير شروطها المرتبطة بـ”حزب الله”، وهو ما يثبت سياستها القائمة على المقايضة بالوكالة.
فبالرغم من الحديث عن منطقتين تجريبيتين كخطوة يمكن أن تضع سكة “اتفاق الإطار” موضع التنفيذ، لا تشي المعطيات على الأرض بأن الأمور تسير وفق ما تم الاتفاق عليه، لا سيما مع اقتراب موعد وصول رئيس اللجنة العسكرية والتنسيقية المكلفة بالإشراف على تنفيذ الاتفاق وآليات الانسحاب، الجنرال جوزف كليرفيلد، المفترض يوم الجمعة، فانتشار الجيش في بلدات فرون والزوطرين ما زال معلقًا، ولا يبدو أن طريقه معبدًا، فمجلس الوزراء لم يعرضها على طاولته التي انعقدت الأسبوع الفائت، والذي كان من الممكن أن تضع الخطة موضع التنفيذ كما حصل مع عرض خطة قائد الجيش رودولف هيكل لنزع السلاح على ضفتي الليطاني الجنوبية والشمالية، يضاف إليها التسريبات التي نسبت للأخير والتي رفع فيها 4 بطاقات حمراء… “لا للمناطق التجريبية التي لا تخضع للاحتلال الإسرائيلي”، “لا لتوريط الجيش في اشتباكات مع الأهالي التي يراها فخًا إسرائيليًا”، “لا لتحديد مناطق خارج إطار ما اتفق عليه”، ولا للقبول بتراجع الجانب الإسرائيلي عن وعوده بالانسحاب من المنطقة الأمنية… هذه التسريبات إن صحت، رغم نفي بعض المصادر لمضمونها، فهي ستضع قيادة الجيش في مواجهة ما تم الاتفاق عليه، وعلى السلطة السياسية المتمثلة بمجلس الوزراء حسمها.
في المقابل، رغم ضغوطات ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمنعه من تصعيد عسكري كبير، يبقى التوجس قائمًا من تفلت الأخير من الضغط الأميركي، وهو الذي يمتلك أوراقًا ذهبية ذات ثقل استراتيجي تمكنه من المساومة، وعلى رأسها “تلة علي الطاهر”، فحرية الحركة في الاستهدافات الميدانية وتفجير الأنفاق والبنى التحتية لـ”حزب الله” بذريعة حماية أمنها القومي ما زالت قائمة… لكن المعطى الأخير المرتبط بـ”التلة” يضغط على طهران والحزب، كونها لا تشكل فقط نقطة استراتيجية كمرتفع، بل ورقة يمكن لإسرائيل ليّ ذراع الاثنين فيها، لا سيما وأن التسريبات الاستخباراتية والإعلامية تدلل على أهمية ما في باطنها من مخازن لنوعية أسلحة متطورة، وتواجد لعناصر نوعية تابعة لـ”الحرس الثوري” الإيراني… فهل ستحسم التلة مصير “اتفاق الإطار” وتكون الصاعق التفجيري في حال تمرد نتنياهو على ترامب؟